الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٠

فله سبب فمن اين عرفت هذا، فنقول: إن هذا الأصل يجب الاقرار به، فإنه أوليّ ضروري في العقل، و من يتوقف فيه فإنما يتوقف لأنه ربما لا ينكشف له ما نريده بلفظ الحادث، و لفظ السبب، و إذا فهمهما صدّق عقله بالضرورة بأن لكل حادث سببا. فانا نعني بالحادث ما كان معدوما ثم صار موجودا فنقول وجوده قبل ان وجد كان محالا أو ممكنا.

و باطل أن يكون محالا لأن المحال لا يوجد قط، و إن كان ممكنا فلسنا نعني بالممكن إلا ما يجوز أن يوجد و يجوز أن لا يوجد و لكن لم يكن موجودا لأنه ليس يجب وجوده لذاته إذ لو وجد وجوده لذاته لكان واجبا لا ممكنا. بل قد افتقر وجوده الى مرجح لوجوده على العدم حتى يتبدل العدم بالوجود، فإذا كان استمرار عدمه من حيث أنه لا مرجح للوجود على العدم، فمن لم يوجد المرجح لا يوجد الوجود، و نحن لا نريد بالسبب إلا المرجح: و الحاصل أن المعدوم المستمر العدم لا يتبدل عدمه بالوجود ما لم يتحقق أمر من الأمور يرجح جانب الوجود على استمرار العدم، و هذا إذا حصل في الذهن معنى لفظه كان العقل مضطرا الى التصديق به. فهذا بيان اثبات هذا الأصل و هو على التحقيق شرح للفظ الحادث و السبب لاقامة دليل عليه.

فإن قيل لم تنكرون على من ينازع في الأصل الثاني، و هو قولكم أن العالم حادث، فنقول: ان هذا الأصل ليس بأوليّ في العقل، بل نثبته ببرهان منظوم من أصلين آخرين هو أنا نقول إذ قلنا أن العالم حادث أردنا بالعالم الآن، الأجسام و الجواهر فقط، فنقول كل جسم فلا يخلو عن الحوادث و كل ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فيلزم منه أن كل جسم فهو حادث ففي أي الأصلين النزاع؟

فإن قيل لم قيل أن كل جسم او متحيز فلا يخلو عن الحوادث؟

قلنا: لانه لا يخلو عن الحركة و السكون و هما حادثان، فإن قيل: ادعيتم وجودهما ثم حدوثهما، فلا نسلم الوجود و لا الحدوث، قلنا هذا سؤال‌