الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٢

لكان نفيها نفي عين الجوهر. و هكذا يطرد الدليل في إثبات السكون و نفيه، و على الجملة، فتكلف الدليل على الواضحات يزيدها غموضا و لا يفيدها وضوحا.

فإن قيل: فبم عرفتم أنها حادثة فلعلها كانت كامنة فظهرت، قلنا: لو كنا نشتغل في هذا الكتاب بالفضول الخارج عن المقصود لأبطلنا القول بالكمون و الظهور في الأعراض رأسا، و لكن ما لا يبطل مقصودنا فلا نشتغل به، بل نقول:

الجوهر لا يخلو عن كمون الحركة فيه أو ظهورها، و هما حادثان فقد ثبت أنه لا يخلو عن الحوادث.

فإن قيل: فلعلها انتقلت إليه من موضع آخر، فبم يعرف بطلان القول، بانتقال الأعراض؟ قلنا: قد ذكر في إبطال ذلك أدلة ضعيفة لا نطول الكتاب بنقلها و نقضها، و لكن الصحيح في الكشف عن بطلانه أن نبين أن تجويز ذلك لا يتسع له عقل من لم يذهل عن فهم حقيقة العرض و حقيقة الانتقال.

و من فهم حقيقة العرض تحقق استحالة الانتقال فيه. و بيانه أن الانتقال عبارة أخذت من انتقال الجوهر من حيز إلى حيز، و ذلك يثبت في العقل بأن فهم الجوهر و فهم الحيز و فهم اختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر، ثم علم أن العرض لا بد له من محل كما لا بد للجوهر من حيز، فتتخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة الجوهر إلى الحيز فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه، كما في الجوهر، و لو كانت هذه المقايسة صحيحة لكان اختصاص العرض بالمحل كونا زائدا على ذات العرض و المحل كما كان اختصاص الجوهر بالحيز كونا زائدا على ذات الجوهر و الحيز، و لصار يقوم بالعرض عرض، ثم يفتقر قيام العرض بالعرض إلى اختصاص آخر يزيد على القائم و المقوم به، و هكذا يتسلل و يؤدي إلى أن لا يوجد عرض واحد ما لم توجد أعراض لا نهاية لها، فلنبحث عن السبب الذي لأجله فرّق بين اختصاص العرض بالمحل و بين اختصاص الجوهر بالحيز في كون أحد الاختصاصيين زائدا على ذات المختص و دون الآخر، فمنه يتبين الغلط في توهم الانتقال.