الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٦

قوله عليه السلام: (ينزل اللّه كل ليلة إلى السماء الدنيا) قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل و لكن نذكر منهجا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه و هو أنا نقول: الناس في هذا فريقان عوام و علماء، و الذي نراه اللائق بعوام الخلق أن لا يخاض بهم في هذه التأويلات بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه و يدل على الحدوث و نحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شي‌ء، و هو السميع البصير، و إذا سألوا عن معاني هذه الآيات زجروا عنها، و قيل ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال.

و يجاب بما أجاب به مالك بن انس رضي اللّه عنه، بعض السلف حيث سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم و الكيفية مجهولة، و السؤال عنه بدعة، و الايمان به واجب، و هذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات و لا إحاطتهم باللغات و لا تتسع لفهم توسيعات العرب في الاستعارات.

و أما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك و تفهمه، و لست أقول أن ذلك فرض عين إذ لم يرد به تكليف بل التكليف التنزيه عن كل ما تشبهه بغيره.

فأما معاني القرآن، فلم يكلف الأعيان فهم جميعها أصلا و لكن لسنا نرتضي قول من يقول، أن ذلك من المتشابهات كحروف أوائل السور، فان حروف أوائل السور ليست موضوعة باصطلاح سابق للعرب للدلالة على المعاني، و من نطق بحروف و هن كلمات لم يصطلح عليها، فواجب أن يكون معناه مجهولا إلا أن يعرف ما أردته، فإذا ذكره صارت تلك الحروف كاللغة المخترعة من جهته.

و أما قوله صلى اللّه عليه و سلم: (ينزل اللّه تعالى إلى السماء الدنيا)، فلفظ مفهوم ذكر للتفهم و علم أنه يسبق إلى الإفهام منه المعنى الذي وضع له أو المعنى الذي يستعار، فكيف يقال إنه متشابه بل هو مخيل معنى خطأ عند الجاهل‌