الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٨
كما لا يعقل الكاف و النون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا اللّه عقلا و هو أهم لهم من الاشتغال بالنظر، و الثالث: أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم أو في حالة الوجود، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن؟ و إن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن؟ فانظر ما ذا يفعل اللّه تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١] و أنه كناية عن نفاذ القدرة و كمالها حتى انجرّ بهم إلى هذه المخازي، نعوذ باللّه من الخزي و الفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر و تبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر اللّه عن خبائث الجهال، و يقال للجاهل الذي اعتقد في اللّه تعالى و في صفاته غير الرأى السديد لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [٢].
و أما الكلام فهو قديم، و ما استبعدوه من قوله تعالى فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [٣] و من قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [٤] استبعاد مستنده تقديرهم الكلام صوتا و هو محال فيه، و ليس بمحال إذ فهم كلام النفس، فإنا نقول يقوم بذات اللّه تعالى خبر عن إرسال نوح العبارة عنه قبل إرساله: إنا نرسله، و بعد إرساله: إنا أرسلنا، و اللفظ يختلف باختلاف الأحوال و المعنى القائم بذاته تعالى لا يختلف، فإن حقيقته أنه خبر متعلق بمخبر ذلك الخبر هو إرسال نوح في الوقت المعلوم و ذلك لا يختلف باختلاف الأحوال كما سبق في العلم، و كذلك قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ لفظة تدل على الأمر و الأمر اقتضاء و طلب يقوم بذات الأمر و ليس شرط قيامه به أن يكون المأمور موجودا و لكن يجوز
[١] سورة النحل الآية: ٤٠.
[٢] سورة ق الآية: ٢٢.
[٣] سورة طه الآية: ١٢.
[٤] سورة نوح الآية: ١.