الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٦
مقتضاها في الأزل العلم بأن العالم يكون من بعد، و عند الوجود العلم بأنه كائن و بعده العلم بأنه كان، و هذه الأحوال تتعاقب على العالم و يكون مكشوفا للّه تعالى تلك الصفة و هي لم تتغير، و إنما المتغير أحوال العالم، و إيضاحه بمثال و هو أنا إذا فرضنا للواحد منا علما بقدوم زيد عند طلوع الشمس و حصل له هذا العلم قبل طلوع الشمس و لم ينعدم بل بقي و لم يخلق له علم آخر عند طلوع الشمس فما حال هذا الشخص عند الطلوع،.
أ يكون عالما بقدوم زيد أو غير عالم؟ و محال أن يكون غير عالم لأنه قدر بقاء العلم بالقدوم عند الطلوع، و قد علم الآن الطلوع فيلزمه بالضرورة أن يكون عالما بالقدوم، فلو دام عند انقضاء الطلوع فلا بد أن يكون عالما بأنه كان قد قدم و العلم الواحد أفاد الاحاطة بأنه سيكون و انه كائن و أنه قد كان، فهكذا ينبغي أن يفهم علم اللّه القديم الموجب بالاحاطة بالحوادث، و على هذا ينبغي أن يقاس السمع و البصر، فإن كل واحد منهما صفة ينصف بها المرئي و المسموع عند الوجود من غير حدوث تلك الصفة و لا حدوث أمر فيها، و إنما الحادث المسموع و المرئي، و الدليل القاطع على هذا هو أن الاختلاف بين الأحوال شيء واحد في انقسامه إلى الذي كان و يكون و هو كائن لا يزيد على الاختلاف بين الذوات المختلفة، و معلوم أن العلم لا يتعدد بتعدد الذوات فكيف يتعدد بتعدد أحوال ذات واحدة، و إذا كان علم واحد يفيد الإحاطة بذوات مختلفة متباينة فمن أين يستحيل أن يكون علم واحد يفيد إحاطة بأحوال ذات واحدة بالإضافة إلى الماضي و المستقبل، و لا شك أن جهما ينفي النهاية عن معلومات اللّه تعالى ثم لا يثبت علوما لا نهاية لها فيلزمه أن يعترف بعلم واحد يتعلق بمعلومات مختلفة فكيف يستبعد ذلك في أحوال معلوم واحد يحققه أنه لو حدث له علم بكل حادث لكان ذلك العلم لا يخلو إما أن يكون معلوما أو غير معلوم، فإن لم يكن معلوما فهو محال، لأنه حادث، و إن جاز حادث لا يعلمه مع أنه في ذاته أولى بأن يكون متضحا له فبان