الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٤

الشي‌ء لا يفارق نفسه، فدل ذلك على أن كل قابل للشي‌ء فلا يخلو عنه، أو عن ضده و هذا مطرد في الكلام، و في العلم، و لا يلزم على هذا الفرق بين وجود العلم و عدمه، فإن ذلك لا يوجب ذاتين، فإنه لم تدرك في الحالتين ذات واحدة يطرأ عليها الوجود بل لا ذات للعالم قبل الحدوث، و القديم ذات قبل حدوث الكلام، علم على وجه مخالف للوجه الذي علم عليه بعد حدوث الكلام، يعبر عن ذلك الوجه بالسكوت و عن هذا بالكلام، فهما وجهان مختلفان ادركت عليهما ذات مستمرة الوجود في الحالتين و للذات هيئة و صفة و حالة بكونه ساكتا، كما أن له هيئة بكونه متكلما، و كما له هيئة بكونه ساكتا و متحركا و أبيض و أسود و هذه الموازنة مطابقة لا مخرج منها، الوجه الثاني في الانفصال هو أن يسلم أيضا أن السكوت ليس بمعنى، و إنما يرجع ذلك إلى ذات منفكة عن الكلام، فالانفكاك عن الكلام حال للمنفك لا محالة ينعدم بطريان الكلام، فحال الانفكاك تسمى عدما أو وجودا أو صفة أو هيئة، فقد انتفى الكلام و المنتفي قديم، و قد ذكرنا أن القديم لا ينتفي سواء كان ذاتا أو حالا أو صفة، و ليست الاستحالة لكونه ذاتا فقط بل لكونه قديما، و لا يلزم عدم العالم، فإنه انتفى مع القديم لأن عدم العالم ليس بذات و لا حصل منه حال لذات حتى يقدر تغيرها و تبدلها على الذات و الفرق بينهما ظاهر، فإن قيل الأعراض كثيرة و الخصم لا يدعي كون الباري محل حدوث شي‌ء منها كالألوان و الآلام و اللذات و غيرها، و إنما الكلام في الصفات السبعة التي ذكرتموها و لا نزاع من جملتها في الحياة و القدرة، و إنما النزاع في ثلاثة: في القدرة و الإرادة و العلم، و في معنى العلم السمع و البصر عند من يثبتهما، و هذه الصفات الثلاثة لا بد أن تكون حادثة، ثم يستحيل أن تقوم بغيره، لأنه لا يكون متصفا بها فيجب أن تقوم بذاته فيلزم منه كونه محلا للحوادث.

أما العلم بالحوادث فقد ذهب جهم إلى أنها علوم حادثة و ذلك لأن‌