الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩
العرب إلى تصديقه ببحث و برهان؛ بل بمجرد قرينة و مخيلة سبقت إلى قلوبهم فقادتها إلى الإذعان للحق و الانقياد للصدق فهؤلاء مؤمنون حقا فلا ينبغي أن تشوش عليهم عقائدهم، فإنه إذا تليت عليهم هذه البراهين و ما عليها من الاشكالات و حلها لم يؤمن أن تعلق بأفهامهم مشكلة من المشكلات و تستولي عليها و لا تمحى عنها بما يذكر من طرق الحل. و لهذا لم ينقل عن الصحابة الخوض في هذا الفن لا بمباحثة و لا بتدريس و لا تصنيف، بل كان شغلهم بالعبادة و الدعوة إليها و حمل الخلق على مراشدهم و مصالحهم في أحوالهم و أعمالهم و معاشهم فقط.
الفرقة الثانية: طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة و المبتدعة. فالجافي الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النشوء إلى كبر السن لا ينفع معه إلا السوط و السيف. فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلال السيوف إذ يفعل اللّه بالسيف و السنان ما لا يفعل بالبرهان و اللسان.
و عن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين و الكفار إلّا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد، و لم تصادف مجمع مناظرة و مجادلة انكشفت إلا عن زيادة إصرار و عناد. و لا تظنن أن هذا الذي ذكرناه غض من منصب العقل و برهانه و لكن نور العقل كرامة لا يخص اللّه بها إلّا الآحاد من أوليائه، و الغالب على الخلق القصور و الاهمال، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش. فهؤلاء تضر بهم العلوم كما تضر رياح الورد بالجعل. و في مثل هؤلاء قال الامام الشافعي رحمه اللّه:
فمن منح الجهال علما أضاعه و من منع المستوجبين فقد ظلم
الفرقة الثالثة: طائفة اعتقدوا الحق تقليدا و سماعا و لكن خصّوا في الفطرة بذكاء و فطنة فتنبهوا من أنفسهم لإشكالات تشككهم في عقائدهم و زلزلت عليهم طمأنينتهم، او قرع سمعهم شبهة من الشبهات