الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩
و أما الفلاسفة فإنهم ناقضوا في الكلام و هو باطل من وجهين. أحدهما قولهم إن اللّه تعالى متكلم مع انهم لا يثبتون كلام النفس و لا يثبتون الأصوات في الوجود، و إنما يثبتون سماع الصوت بالحلق في اذن النبي من غير صوت من خارج، و لو جاز ان يكون ذلك بما يحدث في دماغ غيره موصوفا بأنه متكلم لجاز ان يكون موصوفا بأنه مصوت و متحرك لوجود الصوت و الحركة في غيره، و ذلك محال، و الثاني أن ما ذكروه رد للشرع كله؛ فإن ما يدركه النائم خيال لا حقيقة له، فإذا رددت معرفة النبي لكلام اللّه تعالى إلى التخيل الذي يشبه اضغاث أحلام فلا يثق به النبي و لا يكون ذلك علما، و بالجملة هؤلاء لا يعتقدون الدين و الاسلام و انما يتجملون بإطلاق عبارات احتراز من السيف و الكلام معهم في أصل الفعل، و حدث العالم و القدرة فلا تشتغل معهم بهذه التفصيلات.
فإن قيل أ فتقولون ان صفات اللّه تعالى غير اللّه تعالى؟ قلنا: هذا خطأ فإنا اذا قلنا اللّه تعالى، فقد دللنا به على الذات مع الصفات لا على الذات بمجردها، إذ اسم اللّه تعالى لا يصدق على ذات قد أخلوها عن صفات الالهية، كما لا يقال الفقه غير الفقيه و يد زيد غير زيد و يد النجار غير النجار، لأن بعض الداخل في الاسم لا يكون عين الداخل في الاسم، فيد زيد ليس هو زيد و لا هو غير زيد بل كلا اللفظين محال. و هكذا كل بعض فليس غير الكل و لا هو بعينه الكل، فلو قيل الفقه غير الانسان فهو تجوز و لا يجوز أن يقال غير الفقيه، فإن الانسان لا يدل على صفة الفقه، فلا جرم يجوز أن يقال الصفة غير الذات التي تقوم بها الصفة، كما يقال العرض القائم بالجوهر هو غير الجوهر على معنى ان مفهوم اسمه غير مفهوم اسم الآخر.
و هذا حصر جائز بشرطين:
أحدهما، أن لا يمنع الشرع من اطلاقه، و هذا مختص باللّه تعالى، و الثاني، أن لا يفهم من الغير ما يجوز وجوده دون الذي هو غيره بالإضافات إليه،