الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨

و أما العلم بالشي‌ء فلا يخالف العلم بغيره إلا من جهة تعلقه بالمتعلق، فلا يبعد أن تتميز الصفة القديمة بهذه الخاصية و هو أن لا يوجب تباين المتعلقات فيها تباينا و تعددا، فإن قيل فليس في هذا قطع دابر الإشكال، لأنك إذ اعترفت بإختلاف ما بسبب اختلاف المتعلق، فالإشكال قائم، فما لك و للنظر في سبب الاختلاف بعد وجود الاختلاف ..

فأقول: غاية الناصر لمذهب معين أن يظهر على القطع ترجيح اعتقاده على اعتقاد غيره، و قد حصل هذا على القطع، إذ لا طريق إلا واحد من هذه الثلاث، أو اختراع رابع لا يعقل، و هذا الواحد إذا قوبل بطرفيه المتقابلين له علم على القطع رجحانه، و إذ لم يكن بد من اعتقاد و لا معتقد إلا هذه الثلاث، و هذا أقرب الثلاث، فيجب اعتقاده و إن بقي ما يحبك في الصدر من اشكال يلزم على هذا، و اللازم على غيره أعظم منه و تعليل الإشكال ممكن إما قطعه بالكلية و المنظور فيه هي الصفات القديمة المتعالية عن افهام الخلق فهو أمر ممتنع إلا بتطويل لا يحتمله الكتاب، هذا هو الكلام العام.

و أما المعتزلة فإنا نخصهم بالاستفراق بين القدرة و الإرادة، و نقول لو جاز ان يكون قادرا بغير قدرة جاز ان يكون مريدا بغير إرادة و لا فرقان بينهما.

فإن قيل: هو قادر لنفسه فلذلك كان قادرا على جميع المقدورات و لو كان مريدا لنفسه لكان مريدا لجملة المرادات، و هو محال، لأن المتضادات يمكن إرادتها على البدل لا على الجمع، و أما القدرة فيجوز أن تتعلق بالضدين.

و الجواب أن نقول: قولوا انه مريد لنفسه ثم يختص ببعض الحادثات المرادات كما قلتم قادر لنفسه و لا تتعلق قدرته إلا ببعض الحادثات، فإن جملة أفعال الحيوانات و المتولدات خارجة عن قدرته و إرادته جميعا عندكم، فإذا جاز ذلك في القدرة جاز في الإرادة أيضا.