الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٢
لإرادة المقروء دل عليه كلام السلف رضي اللّه عنهم إن القرآن كلام اللّه سبحانه غير مخلوق، مع علمهم بأنهم و أصواتهم و قراءاتهم و أفعالهم مخلوقة و أما إطلاقه لإرادة القراءة فقد قال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا
يعني القراءة، و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: (ما أذن اللّه لشيء كإذنه لنبي حسن الترنم بالقرآن) [١] و الترنم يكون بالقراءة.
و قال كافة السلف: القرآن كلام اللّه غير مخلوق، و قالوا: القرآن معجزة، و هي فعل اللّه تعالى إذ علموا أن القديم لا يكون معجزا فبان أنه اسم مشترك.
و من لم يفهم اشتراك اللفظ ظن تناقضا في هذه الاطلاقات.
الاستبعاد الخامس: أن يقال: معلوم أنه لا مسموع الآن إلا الأصوات، و كلام اللّه مسموع الآن بالإجماع و بدليل قوله تعالى وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [٢] فنقول: إن كان الصوت المسموع للمشرك عند الإجارة هو كلام اللّه تعالى القديم القائم بذاته فأي فضل لموسى عليه السلام في اختصاصه بكونه كليما للّه على المشركين و هم يسمعون؟ و لا يتصور عن هذا جواب إلا أن نقول:
مسموع موسى عليه السلام صفة قديمة قائمة باللّه تعالى، و مسموع المشرك أصوات دالة على تلك الصفة، و تبين به على القطع الاشتراك إما في اسم الكلام و هو تسمية الدلالات باسم المدلولات، فإن الكلام هو كلام النفس
[١] في صحيح مسلم: «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي حسن
الصوت بالقرآن يترنم به.»
[٢] سورة التوبة الآية: ٦.