الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٥

خلق الأصوات فهو كمال و لكن المتكلم ليس متكلما باعتبار قدرته على خلق الأصوات فقط بل باعتبار خلقه للكلام فى نفسه، و اللّه تعالى قادر على خلق الأصوات فله كمال القدرة و لكن لا يكون متكلما به إلا إذا خلق الصوت في نفسه، و هو محال إذ يصير به محلا للحوادث فاستحال أن يكون متكلما؛ و إن أريد بالكلام أمر ثالث فليس بمفهوم و إثبات ما لا يفهم محال.

قلنا: هذا التقسيم صحيح و السؤال في جميع أقسامه معترف به إلا في إنكار القسم الثالث، فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته و باستحالة كونه متكلما بهذا الاعتبار، و لكنا نقول الإنسان يسمى متكلما باعتبارين أحدهما بالصوت و الحرف و الآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت و حرف، و ذلك كمال و هو في حق اللّه تعالى غير محال، و لا هو دال على الحدوث.

و نحن لا نثبت في حق اللّه تعالى إلا كلام النفس، و كلام النفس لا سبيل إلى إنكاره في حق الإنسان زائدا على القدرة و الصوت حتى يقول الانسان زوّرت البارحة في نفسي كلاما و يقال في نفس فلان كلام و هو يريد أن ينطق به و يقول الشاعر:

لا يعجبنك من أثير خطه حتى يكون مع الكلام أصيلا

إن الكلام لفي الفؤاد و إنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

و ما ينطق به الشعراء يدل على أنه من الجليات التي يشترك كافة الخلق في دركها فكيف ينكر.

فإن قيل: كلام النفس بهذا التأويل معترف به و لكنه ليس خارجا عن العلوم و الإدراكات و ليس جنسا برأسه البتة، و لكن ما يسميه الناس كلام النفس و حديث النفس هو العلم بنظم الألفاظ و العبارات و تأليف المعاني المعلومة على وجه مخصوص فليس في القلب إلا معاني معلومة و هي العلوم و ألفاظ مسموعة هي معلومة بالسماع، و هو أيضا علم معلوم اللفظ. و ينضاف إليه تأليف المعاني و الألفاظ على ترتيب. و ذلك فعل يسمى فكرا و تسمى‌