الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٢
و المستقبل، فسبيلنا أن ننقل الكلام إلى العلم و نثبت عليه جواز علم قديم متعلق بالحادثات كما سنذكره، ثم إذا ثبت ذلك في العلم قسنا عليه السمع و البصر.
و أما المسلك العقلي، فهو أن نقول: معلوم أن الخالق أكمل من المخلوق، و معلوم أن البصير أكمل ممن لا يبصر، و السميع أكمل ممن لا يسمع، فيستحيل أن يثبت وصف الكمال للمخلوق و لا نثبته للخالق. و هذان أصلان يوجبان الإقرار بصحة دعوانا ففي أيهما النزاع؟
فإن قيل: النزاع في قولكم واجب أن يكون الخالق أكمل من المخلوق.
قلنا: هذا مما يجب الاعتراف به شرعا و عقلا، و الأمة و العقلاء مجمعون عليه، فلا يصدر هذا السؤال من معتقد، و من اتسع عقله لقبول قادر يقدر على اختراع ما هو أعلى و أشرف منه فقد انخلع عن غريزة البشرية و نطق لسانه بما ينبو عن قبوله قلبه إن كان يفهم ما يقوله، و لهذا لا نرى عاقلا يعتقد هذا الاعتقاد.
فإن قيل: النزاع في الأصل الثاني، و قولكم إن البصير أكمل و إن السمع و البصر كمال.
قلنا: هذا أيضا مدرك ببديهة العقل، فإن العلم كمال و السمع و البصر كمال ثان للعلم، فإنا بينا أنه استكمال للعلم و التخيل، و من علم شيئا و لم يره ثم رآه استفاد مزيد كشف و كمال فكيف يقال إن ذلك حاصل للمخلوق و ليس بحاصل للخالق أو يقال إن ذلك ليس بكمال، فإن لم يكن كمالا فهو نقص أو لا هو نقص و لا هو كمال، و جميع هذه الأقسام محال، فظهر ان الحق ما ذكرناه.
فإن قيل: هذا يلزمكم في الإدراك الحاصل بالشم و الذوق و اللمس لأن فقدها نقصان و وجودها كمال في الإدراك، فليس كمال علم من علم الرائحة ككمال علم من أدرك بالشم، و كذلك بالذوق فأين العلم بالطعوم من إدراكها بالذوق.