الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١
الصفة الخامسة و السادسة في السمع و البصر:
ندعي ان صانع العالم سميع بصير، و يدل عليه الشرع و العقل، أما الشرع فيدل عليه آيات من القرآن كثيرة كقوله وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [١] و كقول إبراهيم عليه السلام لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً [٢] و نعلم أن الدليل غير منقلب عليه في معبوده و أنه كان يعبد سميعا بصيرا و لا يشاركه في الإلزام.
فإن قيل: إنما أريد به العلم.
قلنا: إنما تصرف ألفاظ الشارع عن موضوعاتها المفهومة السابقة إلى الأفهام إذا كان يستحيل تقديرها على الموضوع، و لا استحالة في كونه سميعا بصيرا، بل يجب أن يكون كذلك، فلا معنى للتحكم بإنكار ما فهمه أهل الإجماع من القرآن.
فإن قيل: وجه استحالته انه إن كان سمعه و بصره حادثين كان محلا للحوادث، و هو محال، و إن كانا قديمين فكيف يسمع صوتا معدوما و كيف يرى العالم في الأزل و العالم معدوم و المعدوم لا يرى؟
قلنا: هذا السؤال يصدر عن معتزلي أو فلسفي، أما المعتزلي فدفعه هين، فإنه سلم أنه يعلم الحادثات، فنقول: يعلم اللّه الآن ان العالم كان موجودا قبل هذا فكيف علم في الأزل أنه يكون موجودا و هو بعد لم يكن موجودا؟
فإن جز إثبات صفة تكون عند وجود العالم علما بأنه كائن، و فعله بأنه سيكون و بعده بأنه كان و قبله بأنه سيكون، و هو لا يتغير عبر عنه بالعلم بالعالم و العلمية، جاز ذلك في السمع و السمعية و البصر و البصرية، و إن صدر من فلسفي فهو منكر لكونه عالما بالحادثات المعينة الداخلة في الماضي و الحال
[١] سورة الشورى الآية: ١١.
[٢] سورة مريم الآية: ٤٢.