الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧

خارجة عن مقدورات البشر، فمن شاهدها أو سمع أحوالها بالأخبار المتواترة سبق إلى عقله إمكان صدقهم، بل غلب على ظنه ذلك بأول السماع قبل أن يمعن النظر في تمييز المعجزات عن عجائب الصناعات. و هذا الظن البديهي أو التجويز الضروري ينزع الطمأنينة عن القلب و يحشوه بالاستشعار و الخوف و يهيجه للبحث و الافتكار و يسلب عنه الدعة و القرار و يحذره مغبة التساهل و الإهمال و يقرر عنده أن الموت آت لا محالة و أن ما بعد الموت منطو عن أبصار الخلق و أن ما أخبر به هؤلاء غير خارج عن حيز الإمكان. فالحزم ترك التواني في الكشف عن حقيقة هذا الأمر. فما هؤلاء مع العجائب التي أظهروها في إمكان صدقهم قبل البحث عن تحقيق قولهم بأقل من شخص واحد يخبرنا عن خروجنا من دارنا و محل استقرارنا بأن سبعا من السباع قد دخل الدار فخذ حذرك و احترز منه لنفسك جهدك، فإنا بمجرد السماع اذا رأينا ما أخبرنا عنه في محل الامكان و الجواز لم نقدم على الدخول و بالغنا في الاحتراز فالموت هو المستقر و الوطن قطعا، فكيف لا يكون الاحتراز لما بعده مهما؟ فإذن أهم المهمات أن نبحث عن قوله الذي قضى الذهن في بادئ الرأي و سابق النظر بامكانه أ هو محال في نفسه على التحقيق أو هو حق لا شك فيه؟ فمن قوله ان لكم ربا كلفكم حقوقا و هو يعاقبكم على تركها و يثيبكم على فعلها و قد بعثي رسولا إليكم لأبين ذلك لكم، فيلزمنا لا محالة ان نعرف ان لنا ربا أم لا. و إن كان فهل يمكن أن يكون حيا متكلما حتى يأمر و ينهى و يكلف و يبعث الرسل، و إن كان متكلما فهل هو قادر على أن يعاقب و يثيب إذا عصيناه أو أطعناه، و إن كان قادرا فهل هذا الشخص بعينه صادق في قوله أنا الرسول إليكم. فإن اتضح لنا ذلك لزمنا لا محالة، إن كنا عقلاء، أن نأخذ حذرنا و ننظر لأنفسنا و نستحقر هذه الدنيا المنقرضة بالإضافة إلى الآخرة الباقية فالعاقل من ينظر لعاقبته و لا يغتر بعاجلته.

و مقصود هذا العلم إقامة البرهان على وجود الرب تعالى و صفاته و أفعاله و صدق الرسل كما فصلناه في الفهرست. و كل ذلك مهم لا محيص عنه لعاقل.