الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٨
في وقت مخصوص لا قبله و لا بعده، مع تساوي نسب الأوقات إلى الإرادة، فإنهم إن تخلصوا عن خصوص الوقت لم يتخلصوا عن خصوص الصفات، إذ العالم مخصوص بمقدار مخصوص و وضع مخصوص، و كانت نقائضها ممكنة في العقل، و الذات القديمة لا تناسب بعض الممكنات دون بعض، و من أعظم ما يلزمهم فيه، و لا عذر لهم عنه أمران أوردناهما في كتاب تهافت الفلاسفة و لا محيص لهم عنهما البتة:
أحدهما، أن حركات الأفلاك بعضها مشرقية أي من المشرق إلى المغرب، و بعضها مغربية أي من مغرب الشمس إلى المشرق، و كان عكس ذلك في الإمكان مساويا له، إذ الجهات في الحركات متساوية، فكيف لزم من الذات القديمة أو من دورات الأفلاك و هي قديمة عندهم أن تتعين جهة عن جهة تقابلها و تساويها من كل وجه؟ و هذا لا جواب عنه.
الثاني، أن الفلك الأقصى الذي هو الفلك التاسع عندهم المحرك لجميع السماوات بطريق القهر في اليوم و الليلة مرة واحدة يتحرك على قطبين شمالي و جنوبي، و القطب عبارة عن النقطتين المتقابلتين على الكرة الثابتتين عند حركة الكرة على نفسها، و المنطقة عبارة عن دائرة عظيمة على وسط الكرة بعدها من النقطتين واحد.
فنقول: جرم الفلك الأقصى متشابه، و ما من نقطة إلا و يتصور أن تكون قطبا، فما الذي أوجب تعيين نقطتين من بين سائر النقط التي لا نهاية لها عندهم، فلا بد من وصف زائد على الذات من شأنه تخصيص الشيء عن مثله و ليس ذلك إلا الإرادة، و قد استوفينا تحقيق الالتزامين في كتاب التهافت. و أما المعتزلة فقد اقتحموا أمرين شنيعين باطلين:
أحدهما، كون الباري تعالى مريدا بإرادة حادثة لا في محل، و إذا لم تكن الإرادة قائمة به فقول القائل إنه مريدها هجر من الكلام، كقوله إنه مريد بإرادة قائمة بغيره.