الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٦
حيث اكتفى بالعلم عن الإرادة لأن العلم يتبع المعلوم و يتعلق به على ما هو عليه و لا يؤثر فيه و لا يغيره.
فإن كان الشيء ممكنا في نفسه مساويا للممكن الآخر الذي في مقابلته فالعلم يتعلق به على ما هو عليه و لا يجعل أحد الممكنين مرجحا على الآخر.
بل نعقل الممكنين و يعقل تساويهما، و اللّه سبحانه و تعالى يعلم أن وجود العالم في الوقت الذي وجد فيه كان ممكنا، و أن وجوده بعد ذلك و قبل ذلك كان مساويا له في الإمكان لأن هذه الامكانات متساوية، فحق العلم أن يتعلق بها كما هو عليه فإن اقتضت صفة الإرادة وقوعه في وقت معين تعلق العلم بتعيين وجوده في ذلك الوقت لعلة تعلق الإرادة به فتكون الإرادة للتعيين علة و يكون العلم متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه، و لو جاز أن يكتفى بالعلم عن الإرادة لاكتفي به عن القدرة، بل كان ذلك يكفي في وجود أفعالنا حتى لا نحتاج إلى الإرادة، إذ يترجح أحد الجانبين بتعلق علم اللّه تعالى به و كل ذلك محال.
فإن قيل: و هذا ينقلب عليكم في نفس الإرادة، فإن القدرة كما لا تناسب أحد الضدين فالإرادة القديمة أيضا لا تتعين لأحد الضدين، فاختصاصها بأحد الضدين ينبغي أن يكون بمخصص و يتسلسل ذلك إلى غير نهاية، إذ يقال الذات لا تكفي للحدوث، إذ لو حدث من الذات لكان مع الذات غير متأخر فلا بد من القدرة و القدرة لا تكفي إذ لو كان للقدرة لما اختص بهذا الوقت و ما قبله و ما بعده في النسبة إلى جواز تعلق القدرة بها على وتيرة، فما الذي خصص هذا الوقت فيحتاج إلى الإرادة؟
فيقال: و الإرادة لا تكفي، فإن الإرادة القديمة عامة التعلق كالقدرة، فنسبتها إلى الأوقات واحدة و نسبتها إلى الضدين واحدة، فإن وقع الحركة مثلا بدلا عن السكون لأن الإرادة تعلقت بالحركة لا بالسكون.
فيقال: و هل كان يمكن أن يتعلق بالسكون؟