الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢

العجز في أن المقدور لم يقع بها فهو صدق و لكن تسميته عجزا خطأ و إن كان من حيث القصور إذا نسبت إلى قدرة اللّه تعالى ظن أنه مثل العجز.

و هذا كما أنه لو قيل القدرة قبل الفعل، على أصلهم، مساوية للعجز من حيث أن المقدور غير واقع بها لكان اللفظ منكرا من حيث أنها حالة مدركة يفارق إدراكها في النفس إدراك العجز، فكذلك هذا، و لا فرق و على الجملة فلا بدّ من إثبات قدرتين متفاوتتين، إحداهما أعلى و الأخرى بالعجز أشبه مهما أضيفت إلى الأعلى، و أنت بالخيار بين أن تثبت للعبد قدرة توهم نسبة العجز للعبد من وجه، و بين أن تثبت للّه سبحانه ذلك تعالى اللّه عما يقول الزائغون، و لا تستريب إن كنت منصفا في أن نسبة القصور و العجز بالمخلوقات أولى بل لا يقال أولى لاستحالة ذلك في حق اللّه تعالى فهذا غاية ما يحتمله هذا المختصر من هذه المسألة.

الفرع الثالث: فإن قال قائل: كيف تدعون عموم تعلق القدرة بجملة الحوادث و أكثر ما في العالم من الحركات و غيرها متولدات يتولد بعضها من بعض بالضرورة، فإن حركة اليد مثلا بالضرورة تولد حركة الخاتم، و حركة اليد في الماء تولد حركة الماء، و هو مشاهد، و العقل أيضا يدل عليه إذ لو كانت حركة الماء و الخاتم بخلق اللّه تعالى لجاز أن يخلق حركة اليد دون الخاتم و حركة اليد دون الماء، و هو محال، و كذا في المتولدات مع انشعابها.

فنقول: ما لا يفهم لا يمكن التصرف فيه بالرد و القبول، فإن كون المذهب مردودا أو مقبولا بعد كونه معقولا. و المعلوم عندنا من عبارة التولد أن يخرج جسم من جوف جسم كما يخرج الجنين من بطن الأم و النبات من بطن الارض، و هذا محال في الأعراض؛ إذ ليس لحركة اليد جوف حتى تخرج منه حركة الخاتم و لا هو شي‌ء حاو لأشياء حتى يرشح منه بعض ما فيه، فحركة الخاتم إذا لم تكن كامنة في ذات حركة اليد فما معنى تولدها منها؟ فلا بد من تفهيمه، و إذا لم يكن هذا مفهوما فقولكم‌