الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٠
العبد معقول دون أن تكون الحركة مقدورة للعبد، فمهما خلق الحركة و خلق معها قدرة عليها كان هو المستبد بالاختراع للقدرة و المقدور جميعا.
فخرج منه أنه منفرد بالاختراع و أن الحركة موجودة و أن المتحرك عليها قادر و بسبب كونه قادرا فارق حاله حال المرتعد فاندفعت الإشكالات كلها، و حاصله أن القادر الواسع القدرة هو قادر على الاختراع للقدرة و المقدور معا، و لما كان اسم الخالق و المخترع مطلقا على من أوجد الشيء بقدرته و كانت القدرة و المقدور جميعا بقدرة اللّه تعالى، سمي خالقا و مخترعا. و لم يكن المقدور مخترعا بقدرة العبد و إن كان معه فلم يسم خالقا و لا مخترعا و وجب أن يطلب لهذا النمط من النسبة اسم آخر مخالف فطلب له اسم الكسب تيمنا بكتاب اللّه تعالى، فإنه وجد إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن و أما اسم الفعل فتردد في إطلاقه و لا مشاحة في الأسامي بعد فهم المعاني.
فإن قيل: الشأن في فهم المعنى و ما ذكرتموه غير مفهوم، فإن القدرة المخلوقة الحادثة إن لم يكن لها تعلق بالمقدور لم تفهم؛ إذ قدرة لا مقدور لها محال، كعلم لا معلوم له. و إن تعلقت به فلا يعقل تعلق القدرة بالمقدور إلا من حيث التأثير و الايجاد و حصول المقدور به. فالنسبة بين المقدور و القدرة نسبة المسبب إلى السبب و هو كونه به، فإذا لم يكن به لم تكن علاقة فلم تكن قدرة، إذ كل ما لا تعلق له فليس بقدرة إذ القدرة من الصفات المتعلقة.
قلنا: هي متعلقة، و قولكم أن التعلق مقصور على الوقوع به يبطل بتعلق الإرادة و العلم، و إن قلتم أن تعلق القدرة مقصور على الوقوع بها فقط فهو أيضا باطل، فإن القدرة عندكم تبقى إذا فرضت قبل الفعل، فهل هي متعلقة أم لا؟ فإن قلتم لا فهو محال، و إن قلتم نعم فليس المعني بها وقوع المقدور بها، إذ المقدور بعد لم يقع فلا بد من إثبات نوع آخر من التعلق سوى الموقوع بها، إذ التعلق عند الحدوث يعبر عنه بالوقوع