الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٧
مقدورة للّه تعالى أم لا؟ فإن قلتم ليست مقدورة، فقد نقضتم قولكم إن تعلق القدرة عام، و إن قلتم إنها مقدورة له لزمكم إثبات مقدور بين قادرين و هو محال، و إنكار كون الإنسان و سائر الحيوان قادرا فهو مناكرة للضرورة و مجاحدة لمطالبات الشريعة، إذ تستحيل المطالبة بما لا قدرة عليه و يستحيل أن يقول اللّه لعبده ينبغي أن تتعاطى ما هو مقدور لي و أنا مستأثر بالقدرة عليه و لا قدرة لك عليه.
فنقول: في الانفصال قد تحزب الناس في هذا أحزابا، فذهبت المجبرة إلى انكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة و الحركة الاختيارية، و لزمها أيضا استحالة تكاليف الشرع، و ذهبت المعتزلة إلى انكار تعلق قدرة اللّه تعالى بأفعال العباد من الحيوانات و الملائكة و الجن و الإنس و الشياطين و زعمت أن جميع ما يصدر منها من خلق العباد و اختراعهم لا قدرة للّه تعالى عليها بنفي و لا إيجاب فلزمتها شناعتان عظيمتان:
إحداهما انكار ما أطبق عليه السلف رضي اللّه عنهم من أنه لا خالق إلا اللّه و لا مخترع سواه، و الثانية نسبة الاختراع و الخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه من الحركات، فإن الحركات التي تصدر من الإنسان و سائر الحيوان لو سئل عن عددها و تفاصيلها و مقاديرها لم يكن عنده خبر منها، بل الصبي كما ينفصل من المهد يدب إلى الثدي باختياره و يمتص، و الهرة كما ولدت تدب إلى ثدي أمها و هي مغمضة عينها، و العنكبوت تنسج من البيوت أشكالا غريبة يتحير المهندس في استدارتها و توازي أضلاعها و تناسب ترتيبها و بالضرورة تعلم انفكاكها عن العلم بما تعجز المهندسون عن معرفته، و النحل تشكل بيوتها على شكل التسديس فلا يكون فيها مربع و لا مدور و لا مسبع و لا شكل آخر و ذلك لتميز شكل المسدس بخاصية دلت عليها البراهين الهندسية لا توجد في غيرها، و هو مبني على اصول أحدها، أن أحوى الأشكال و أوسعها الشكل المستدير