الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٤
فالعقل يصدق به بغير دليل و لا يقدر العاقل على جحده، و لكنا مع هذا نجرد دليلا يقطع دابر الجحود و العناد، فنقول: نعني بكونه قادرا أن الفعل الصادر منه لا يخلو إما أن يصدر عنه لذاته أو لزائد عليه، و باطل أن يقال صدر عنه لذاته، اذ لو كان كذلك لكان قديما مع الذات فدل أنه صدر لزائد على ذاته، و الصفة الزائدة التي بها تهيأ للفعل الموجود نسميها قدرة، إذ القدرة في وضع اللسان عبارة عن الصفة التي يتهيأ الفعل للفاعل و بها يقع الفعل، فإن قيل ينقلب عليكم هذا في القدرة فإنها قديمة و الفعل ليس بقديم، قلنا سيأتي جوابه في أحكام الإرادة فيما يقع الفعل به.
و هذا الوصف مما دل عليه التقسيم القاطع الذي ذكرناه، و لسنا نعني بالقدرة إلا هذه الصفة، و قد أثبتناها فلنذكر احكامها، و من حكمها أنها متعلقة بجميع المقدورات، و أعني بالمقدورات الممكنات كلها التي لا نهاية لها، و لا يخفى أن الممكنات لا نهاية لها فلا نهاية اذا للمقدورات، و نعني بقولنا لا نهاية للممكنات أن خلق الحوادث بعد الحوادث لا ينتهي إلى حد يستحيل في العقل حدوث حادث بعده، فالإمكان مستمر أبدا و القدرة واسعة لجميع ذلك، و برهان هذه الدعوى و هي عموم تعلق القدرة أنه قد ظهر أن صانع كل العالم واحد، فإما أن يكون له بإزاء كل مقدور قدرة و المقدورات لا نهاية لها فتثبت قدرة متعددة لا نهاية لها و هو محال كما سبق في إبطال دورات لا نهاية لها، و إما أن تكون القدرة واحدة فيكون تعلقها مع اتحادها بما يتعلق به من الجواهر و الأعراض مع اختلافها لأمر تشترك فيه و لا يشترك في أمر سوى الامكان، فيلزم منه أن كل ممكن فهو مقدور لا محالة و واقع بالقدرة.
و بالجملة، إذا صدرت منه الجواهر و الأعراض استحال أن لا يصدر منه أمثالها، فإن القدرة على الشيء قدرة على مثله إذ لم يمتنع التعدد في المقدور لنسبته إلى الحركات كلها و الألوان كلها على وتيرة واحدة فتصلح لخلو حركة بعد حركة على الدوام، و كذا لون بعد لون و جوهر بعد جوهر