الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١
هي اختصاصات بالأحياز متماثلة، و القادر على الشيء قادر على مثله إذ كانت قدرته قديمة بحيث يجوز أن يتعلق بمقدورين و قدرة كل واحد منهما تتعلق بعدة من الاجسام و الجواهر، فلم تتقيد بمقدور واحد، و إذا جاوز المقدور الواحد على خلاف القدرة الحادثة، لم يكن بعض الاعداد بأولى من بعض، بل يجب الحكم بنفي النهاية عن مقدوراته و يدخل كل جوهر ممكن وجوده في قدرته.
و القسم الثاني أن يقال: أحدهما يقدر على الجوهر و الآخر على الأعراض و هما مختلفان، فلا تجب من القدرة على أحدهما القدرة على الآخر، و هذا محال، لأن العرض لا يستغني عن الجوهر، و الجوهر لا يستغني عن العرض، فيكون فعل كل واحد منهما موقوفا على الآخر، فكيف يخلقه و ربما لا يساعده خالق الجوهر على خلق الجوهر عند إرادته لخلق العرض، فيبقى عاجزا متحيرا و العاجز لا يكون قادرا. و كذلك خالق الجوهر إن أراد خلق الجوهر بما خالفه خالق العرض فيمتنع على الآخر خلق الجوهر فيؤدي ذلك إلى التمانع.
فإن قيل: مهما أراد واحد منهما خلق جوهر ساعده الآخر على العرض و كذا بالعكس. قلنا: هذه المساعدة هل هي واجبة لا يتصور في العقل خلافها فإن أوجبتموها فهو تحكم، بل هو أيضا مبطل للقدرة، فإن خلق الجوهر من واحد كأنه يضطر الآخر إلى خلق العرض، و كذا بالعكس؛ فلا تكون له قدرة على الترك و لا تتحقق القدرة مع هذا. و على الجملة فترك المساعدة إن كان ممكنا فقد تعذر العقل و بطل معنى المقدرة و المساعدة إن كانت واجبة صار الذي لا بد له من مساعدة مضطرا لا قدرة له.
فان قيل. فيكون أحدهما خالق الشر و الآخر خالق الخير، قلنا: هذا هوس، لأن الشرّ ليس شرا لذاته، بل هو من حيث ذاته مساو للخير و مماثل له، و القدرة على الشيء قدرة على مثله، فإن إحراق بدن المسلم بالنار شر، و إحراق بدن الكافر خير و دفع شر، و الشخص الواحد