الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥

صلى اللّه عليه و سلم، و برهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر، و كيف يهتدي للصواب من اقتفى محض العقل و اقتصر، و ما استضاء بنور الشرع و لا استبصر؟ فليت شعري كيف يفزع إلى العقل من حيث يعتريه العي و الحصر؟ أو لا يعلم ان العقل قاصر و أن مجاله ضيق منحصر؟ هيهات قد خاب على القطع و البتات و تعثر بأذيال الضلالات من لم يجمع بتأليف الشرع و العقل هذا الشتات. فمثال العقل البصر السليم عن الآفات و الاذاء.

و مثال القرآن الشمس المنتشرة الضياء. فاخلق بأن يكون طالب الاهتداء.

المستغني إذا استغني بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء. فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن، مثاله المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان، فلا فرق بينه و بين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور، و الملاحظ بالعين العور لأحدهما على الخصوص متدل بحبل غرور. و سيتضح لك أيها المشوق إلى الاطلاع على قواعد عقائد أهل السنة، المقترح تحقيقها بقواطع الأدلة، انه لم يستأثر بالتوفيق للجمع بين الشرع و التحقيق فريق سوى هذا الفريق. فاشكر اللّه تعالى على اقتفائك لآثارهم و انخراطك في سلك نظامهم و عيارهم و اختلاطك بفرقتهم؛ فعساك أن تحشر يوم القيامة في زمرتهم. نسأل اللّه تعالى أن يصفي أسرارنا عن كدورات الضلال، و يغمرها بنور الحقيقة، و أن يخرس ألسنتنا عن النطق بالباطل، و ينطقها بالحق و الحكمة إنه الكريم الفائض المنة الواسع الرحمة.

باب و لنفتح الكلام ببيان اسم الكتاب، و تقسيم المقدمات و الفصول و الأبواب.

أما اسم الكتاب فهو «الاقتصاد في الاعتقاد». و أما ترتيبه فهو مشتمل على أربع تمهيدات تجري مجرى التوطئة و المقدمات، و على أربع أقطاب تجري مجرى المقاصد و الغايات. التمهيد الأول: في بيان أن هذا العلم من المهمات في الدين.

التمهيد الثاني: في بيان أنه ليس مهما لجميع المسلمين بل لطائفة منهم مخصوصين.

التمهيد الثالث: في بيان أنه من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان.

التمهيد الرابع: في تفصيل مناهج الأدلة التي أوردتها في هذا الكتاب.

و أما الأقطاب المقصودة فأربعة و جملتها مقصورة على النظر في اللّه تعالى. فإنا إذا نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث أنه عالم و جسم و سماء و أرض، بل من حيث أنه صنع اللّه سبحانه. و ان نظرنا في النبي عليه السلام لم ننظر فيه من حيث أنه انسان و شريف و عالم و فاضل؛ بل من حيث أنه رسول اللّه. و ان نظرنا في أقواله لم ننظر من حيث أنها أقوال و مخاطبات و تفهيمات؛ بل من حيث أنها تعريفات بواسطته من اللّه تعالى، فلا نظر إلّا في اللّه و لا مطلوب سوى اللّه و جميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في ذات اللّه تعالى و في صفاته سبحانه و في أفعاله عز و جل و في رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ما جاءنا على لسانه من تعريف اللّه تعالى. فهي إذن أربعة أقطاب:

القطب الأول: النظر في ذات اللّه تعالى. فنبين فيه وجوده و انه قديم و أنه باق و أنه ليس بجوهر و لا جسم و لا عرض و لا محدود بحد و لا هو مخصوص بجهة، و أنه مرئي كما أنه معلوم و أنه واحد؛ فهذه عشرة دعاوى نبينها في هذا القطب.

القطب الثاني: في صفات اللّه تعالى. و نبين فيه أنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم و أن له حياة و علما و قدرة و إرادة و سمعا و بصرا و كلاما، و نذكر أحكام هذه الصفات و لوازمها و ما يفترق فيها و ما يجتمع فيها من الأحكام، و أن هذه الصفات زائدة على الذات و قديمة و قائمة بالذات و لا يجوز أن يكون شي‌ء من الصفات حادثا.