الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩
فنقول: الواحد قد يطلب و يراد به أنه لا يقبل القسمة، أي لا كمية له و لا جزء و لا مقدار، و الباري تعالى واحد بمعنى سلب الكمية المصححة للقسمة عنه؛ فإنه غير قابل للانقسام. إذ الانقسام لما له كمية، و التقسيم تصرف في كمية بالتفريق و التصغير، و ما لا كمية له لا بتصور انقسامه، و قد يطلق و يراد أنه لا نظير له في رتبته كما تقول الشمس واحدة، و الباري تعالى أيضا بهذا المعنى واحد؛ فإنه لا ندّ له، فأما انه لا ضدّ له فظاهرا، إذ المفهوم من الضد هو الذي يتعاقب مع الشيء على محل واحد و لا تجامع و ما لا محل له فلا ضد له، و الباري سبحانه لا محل له فلا ضدّ له.
و أما قولنا لا ندّ له، نعني به أن ما سواه هو خالقه لا غير، و برهانه أنه لو قدر له شريك لكان مثله في كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه. و كل ذلك محال، فالمفضي إليه محال، و وجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل اثنين هما متغايران، فإن لم يكن تغاير لم تكن الاثنينية معقولة، فإنّا لا نعقل سوادين إلا في محلين، أو في محل واحد في وقتين، فيكون أحدهما مفارقا للآخر و مباينا له و مغايرا إما في المحل و إما في الوقت، و الشيئان تارة يتغايران بتغاير الحدّ و الحقيقة، كتغاير الحركة و اللون فإنهما و إن اجتمعا في محل واحد في وقت واحد فهما اثنان، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته، فإن استوى اثنان في الحقيقة و الحد كالسوادين، فيكون الفرق بينهما إما في المحل أو في الزمان؛ فإن فرض سوادان مثلا في جوهر واحد في حالة واحدة كان محالا إذ لم تعرف الاثنينية، و لو جاز أن يقال هما اثنان و لا مغايرة، لجاز أن يشار إلى إنسان واحد و يقال أنه انسانان بل عشرة و كلها متساوية متماثلة في الصفة و المكان و جميع العوارض و اللوازم، من غير فرقان، و ذلك محال بالضرورة، فإن كان ندّ اللّه سبحانه متساويا له في الحقيقة و الصفات استحال وجوده، إذ ليس مغايره بالمكان إذ لا مكان و لا زمان فإنهما قديمان، فاذا لا فرقان، و إذا ارتفع كل فرق ارتفع العدد بالضرورة، و لزمت الوحدة.
و محال أن يقال يخالفه بكونه أرفع منه. فإن الأرفع هو الإله و الإله عبارة عن