الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٧

ليس بجهة فكيف لم يعرف موسى عليه أفضل الصلاة أنه ليس بجهة، أو كيف عرف أنه ليس بجهة و لم يعرف أن رؤية ما ليس بجهة محال؟ فليت شعري ما ذا يضمر الخصم و يقدره من ذهول موسى صلى اللّه عليه و سلم، أ يقدره معتقدا أنه جسم في جهة ذو لون، و اتهام الأنبياء صلوات اللّه سبحانه و تعالى عليهم و سلامه كفر صراح، فإنه تكفير للنبي صلى اللّه عليه و سلم، فإن القائل بأن اللّه سبحانه جسم و عابد الوثن و الشمس واحد! أو يقول علم استحالة كونه بجهة، و لكنه لم يعلم أن ما ليس بجهة فلا يرى، و هذا تجهيل للنبي عليه أفضل السلام لأن الخصم يعتقد أن ذلك من الجليات لا من النظريات. فأنت الآن أيها المسترشد مخير من أن تميل إلى تجهيل النبي صلى اللّه عليه و سلم تسليما، أو إلى تجهيل المعتزلي، فاختر لنفسك ما أليق بك و السلام.

فإن قيل: إن دلّ هذا لكم فقد دلّ عليكم، لسؤاله الرؤية في الدنيا و دلّ عليكم قوله تعالى لَنْ تَرانِي [١] و دل قوله سبحانه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [٢].

قلنا: أما سؤاله الرؤية في الدنيا فهو دليل على عدم معرفته بوقوع وقت ما هو جائز في نفسه، و الأنبياء كلهم عليهم أفضل السلام لا يعرفون من الغيب إلا ما عرّفوا، و هو القليل، فمن أين يبعد أن يدعو النبي عليه أفضل السلام كشف غمة و إزالة بلية و هو يرتجي الإجابة في وقت لم تسبق في علم اللّه تعالى الإجابة فيه، و هذا من ذلك الفن.

و أما قوله سبحانه لَنْ تَرانِي [١] فهو دفع لما التمسه، و إنما التمس في الآخرة، فلو قال أرني انظر إليك في الآخرة، فقال لن تراني، لكان ذلك دليلا على نفي الرؤية، و لكن في حق موسى صلوات اللّه سبحانه و سلامه‌


[١] سورة الاعراف الآية: ١٤٣.
[٢] سورة الانعام الآية: ١٠٣.