الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٥

سبيل التخيل و التصور، و لكنّا لو فتحنا البصر أدركنا تفرقته و لا ترجع تلك التفرقة إلى إدراك صورة أخرى مخالفة لما كانت في الخيال بل الصورة المبصرة مطابقة للمتخيلة من غير فرق و ليس بينهما افتراق، إلا أن هذه الحالة الثانية كالاستكمال لحالة التخيل، و كالكشف لها، فتحدث فيها صورة الصديق عند فتح البصر حدوثا أوضح و أتم و أكمل من الصورة الجارية في الخيال.

و الحادثة في البصر بعينها تطابق بيان الصورة الحادثة في الخيال، فاذا التخيل نوع إدراك على رتبة، و وراءه رتبة أخرى هي أتم منه في الوضوح و الكشف، بل هي كالتكميل له، فنسمي هذا الاستكمال بالإضافة إلى الخيال رؤية و إبصارا، و كذا من الأشياء ما نعلمه و لا نتخيله و هو ذات اللّه سبحانه و تعالى و صفاته، و كل ما لا صورة له، أي لا لون له و لا قدر مثل القدرة و العلم و العشق و الإبصار و الخيال؛ فإن هذه أمور نعلمها و لا نتخيلها و العلم بها نوع إدراك فلننظر هل يحيل العقل أن يكون لهذا الادراك مزيد استكمال نسبته إليه نسبة الإبصار إلى التخيل؛ فإن كان ذلك ممكنا سمينا ذلك الكشف و الاستكمال بالإضافة إلى العلم رؤية، كما سميناه بالإضافة إلى التخيل رؤية، و معلوم أن تقدير هذا الاستكمال في الاستيضاح و الاستكشاف غير محال في الموجودات المعلومة التي ليست متخيلة كالعلم و القدرة و غير هما، و كذا في ذات اللّه سبحانه و صفاته، بل نكاد ندرك ضرورة من الطبع أنه يتقاضى طلب مزيد استيضاح في ذات اللّه و صفاته و في ذوات هذه المعاني المعلومة كلها.

فنحن نقول إن ذلك غير محال فإنه لا محيل له بل العقل دليل على إمكانه بل على استدعاء الطبع له. إلا أن هذا الكمال في الكشف غير مبذول في هذا العالم، و النفس في شغل البدن و كدورة صفائه، فهو محجوب عنه، و كما لا يبعد أن يكون الجفن أو الستر أو سواد ما في العين سببا بحكم اطّراد العادة لامتناع الإبصار للمتخيلات فلا يبعد أن تكون كدورة النفس و تراكم حجب الاشغال بحكم اطراد العادة مانعا من إبصار المعلومات. فإذا بعثر ما في القبور