الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٤
و هيهات! فنحن نعترف باستحالة ذلك في حق اللّه سبحانه، و لكن ينبغي أن نحصل معنى هذا اللفظ في الموضع المتفق، و نسبكه ثم نحذف منه ما يستحيل في حق اللّه سبحانه و تعالى، فإن نفي من معانيه معنى لم يستحل في حق اللّه سبحانه و تعالى و أمكن أن يسمى ذلك المعنى رؤية حقيقة، أثبتناه في حق اللّه سبحانه و قضينا بأنه مرئي حقيقة، و إن لم يكى إطلاق اسم الرؤية عليه إلا بالمجاز أطلقنا اللفظ عليه بإذن الشرع و اعتقدنا المعنى كما دل عليه العقل.
و تحصيله، أن الرؤية تدل على معنى له محل و هو العين، و له متعلق و هو اللون و القدر و الجسم و سائر المرئيات، فلنظر إلى حقيقة معناه و محله، و إلى متعلقه و لنتأمل أن الركن من جملتها في إطلاق هذا الاسم ما هو، فنقول: أما المحل فليس بركن في صحة هذه التسمية، فإن الحالة التي ندركها بالعين من المرئي لو أدركناها بالقلب أو بالجبهة مثلا لكنا نقول قد رأينا الشيء و أبصرناه و صدق كلامنا، فإن العين محل و آلة لا تراد لعينها بل لتحل فيه هذه الحالة، فحيث حلت الحالة تمت الحقيقة و صح الاسم.
و لنا أن نقول علمنا بقلبنا أو بدماغنا إن أدركنا الشيء بالقلب، أو بالدماغ إن أدركنا الشيء بالدماغ، و كذلك إن أبصرنا بالقلب أو بالجبهة أو بالعين.
و أما المتعلق بعينه فليس ركنا في إطلاق هذا الاسم و ثبوت هذه الحقيقة.
فإن الرؤية لو كانت رؤية لتعلقها بالسواد لما كان المتعلق بالبياض رؤية، و لو كان لتعلقها باللون لما كان المتعلق بالحركة رؤية، و لو كان لتعلقها بالعرض لما كان المتعلق بالجسم رؤية، فدل أن خصوص صفات المتعلق ليس ركنا لوجود هذه الحقيقة، و إطلاق هذا الاسم، بل الركن فيه من حيث أنه صفة متعلقة أن يكون لها متعلق موجود؛ أيّ موجود كان و أيّ ذات كان. فإذا الركن الذي الاسم مطلق عليه هو الأمر الثالث و هو حقيقة المعنى من غير التفات إلى محله و متعلقه، فلنبحث عن الحقيقة ما هي، و لا حقيقة لها إلا أنها نوع إدراك هو كمال و مزيد كشف بالإضافة إلى التخيل، فإنّا نرى الصديق مثلا ثم نغمض العين فتكون صورة الصديق حاضرة في دماغنا على