الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٣
انطباع النفس في الحائط، فيقال إن هذا ظاهر الاستحالة: فإن من تباعد عن مرآة منصوبة في حائط بقدر ذراعين يرى صورته بعيدة عن جرم المرآة بذراعين، و إن تباعد بثلاثة أذرع فكذلك، فالبعيد عن المرآة بذراعين كيف يكون منطبعا في المرآة و سمك المرآة ربما لا يزيد على سمك شعيرة؟
فإن كانت الصورة في شيء وراء المرآة فهو محال، إذ ليس وراء المرآة الا جدار أو هواء أو شخص آخر هو محجوب عنه، و هو لا يراه. و كذا عن يمين المرآة و يسارها و فوقها و تحتها و جهات المرآة الست، و هو يرى صورة بعيدة عن المرآة بذراعين، فلنطلب هذه الصورة من جوانب المرآة: فحيث وجدت فهو المرئي و لا وجود لمثل هذه الصورة المرئية في الأجسام المحيطة بالمرآة إلا في جسم و الناظر، فهو المرئي إذا بالضرورة. و قد تطلب المقابلة و الجهة و لا ينبغي أن تستحقر هذا الإلزام فإنه لا مخرج للمعتزلة عنه، و نحن نعلم بالضرورة أن الانسان لو لم يبصر نفسه قط و لا عرف المرآة و قيل له أن يمكن أن تبصر نفسك في مرآة الحكم بأنه محال، و قال لا يخلو إما أن أرى نفسي و أنا في المرآة فهو محال، أو أرى مثل صورتي في جرم المرآة و هو محال، أو في جرم وراء المرآة و هو محال، أو المرآة في نفسها صورة و للأجسام المحيطة بها جسم صور، و لا تجتمع صورتان في جسم واحد إذ محال أن يكون في جسم واحد صورة إنسان و حديد و حائط و إن رأيت نفسي حيث أنا فهو محال، إذ لست في مقابلة نفسي فكيف أرى نفسي، و لا بد بين المقابلة بين الرائي و المرئي و هذا التقسيم صحيح عند المعتزلي و معلوم أنه باطل، و بطلانه عندنا لقوله إني لست في مقابلة نفسي فلا أراها و إلا فسائر أقسام كلامه صحيحة، فبهذا يستبين ضيق حوصلة هؤلاء عن التصديق بما لم يألفوه و لم تأنس به حواسهم.
المسلك الثاني، و هو الكشف البالغ أن تقول إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه لم يفهم ما تريده بالرؤية و لم يحصل معناها على التحقيق، و ظن أنّا نريد بها حالة تساوي الحالة التي يدركها الرأي عند النظر إلى الأجسام و الألوان