الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤١
حيث يسكن الخلق و ينمحي عن القلوب ذكرهم، و يصفوا لذكر اللّه تعالى قلب الداعي، فمثل هذا الدعاء هو المرجو الاستجابة لا ما يصدر عن غفلة القلوب عند تزاحم الاشتغال.
(الدعوى التاسعة):
ندعي أن اللّه سبحانه و تعالى مرئي، خلافا للمعتزلة، و إنما أوردنا هذه المسألة في القطب الموسوم بالنظر في ذات اللّه سبحانه و تعالى لأمرين: أحدهما أن ننفي الرؤية عما يلزم على نفي الجهة، فأردنا أن نبين كيف يجمع بين نفي الجهة و إثبات الرؤية. و الثاني أنه سبحانه و تعالى عندنا مرئي لوجوده و وجود ذاته، فليس ذلك إلا لذاته، فإنه ليس لفعله و لا لصفة من الصفات، بل كل موجود ذات فواجب أن يكون مرئيا، كما أنه واجب أن يكون معلوما، و لست أعني به أنه واجب أن يكون معلوما و مرئيا بالفعل بل بالقوة، أي هو من حيث ذاته مستعد لأن تتعلق الرؤية به، و إنه لا مانع و لا محيل في ذاته له، فإن امتنع وجود الرؤية فلأمر آخر خارج عن ذاته، كما نقول: الماء الذي في النهر مرو، و الخمر الذي في الدن مسكر، و ليس كذلك لأنه يسكر و يروي عند الشرب و لكن معناه أن ذاته مستعدة لذلك فإذا فهم المراد منه فالنظر في طرفين:
- أحدهما في الجواز العقلي، و الثاني في الوقوع الذي لا سبيل إلى دركه الا بالشرع، و مهما دل الشرع على وقوعه فقد دل أيضا لا محالة على جوازه و لكنّا ندل بمسلكين واقعين عقليين على جوازه.
المسلك الأول، هو أنا نقول أن الباري سبحانه موجود و ذات، و له ثبوت و حقيقة، و إنما يخالف سائر الموجودات في استحالة كونه حادثا أو موصوفا بما يدل على الحدوث، أو موصوفا بصفة تناقض صفات الالهية من العلم و القدرة و غير هما، فكل ما يصح لموجود فهو يصح في حقه تعالى إن لم يدل على الحدوث و لم يناقض صفة من صفاته. و الدليل عليه تعلق العلم به؛ فانه لما لم يؤذ إلى تغير في ذاته و لا إلى مناقضة صفاته و لا إلى الدلالة