الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨

مركب من لحم و دم و عظم منقسم بخمسة أصابع، ثم إنه إن فتح بصيرته علم أنه كان على العرش و لا يكون يمينه في الكعبة ثم لا يكون حجرا أسود فيدرك بأدنى مسكة أنه استعير للمصافحة، فإنه يؤمر باستلام الحجر و تقبيله كما يؤمر بتقبيل يمين الملك، فاستعير اللفظ لذلك، و الكامل العقل البصير لا تعظم عنده هذه الامور، بل يفهم معانيها على البديهة، فلنرجع إلى معنى الاستواء و النزول، أما الاستواء فهو نسبه للعرش لا محالة، و لا يمكن أن يكون للعرش إليه نسبة إلا بكونه معلوما، أو مرادا، أو مقدورا عليه، أو محلا مثل محل العرض، أو مكانا مثل مستقر الجسم، و لكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلا و بعضها لا يصلح اللفظ للاستعارة به له، فإن كان في جملة هذه النسبة، مع أنه لا نسبة سواها، نسبة لا يخيلها العقل و لا ينبو عنها اللفظ، فليعلم أنها المراد إما كونه مكانا أو محلا، كما كان للجوهر و العرض، اذا اللفظ يصلح له و لكن العقل يخيله كما سبق، و إما كونه معلوما و مرادا فالعقل لا يخيله، و لكن اللفظ لا يصلح له، و إما كونه مقدورا عليه و واقعا في قبضة القدرة و مسخرا له مع أنه أعظم المقدورات و يصلح الاستيلاء عليه لأن يمتدح به و ينبه به على غيره الذي هو دونه في العظم، فهذا مما لا يخيله العقل و يصلح له اللفظ، فأخلق بأن يكون هو المراد قطعا. أما صلاح اللفظ له فظاهر عند الخبير بلسان العرب، و إنما ينبو عن فهم مثل هذا أفهام المتطفلين على لغة العرب الناظرين إليها من بعد الملتفتين إليها التفات العرب إلى لسان الترك حيث لم يتعلموا منها إلا أوائلها، فمن المستحسن في اللغة أن يقال استوى الأمير على مملكته، حتى قال الشاعر:

قد استوى بشير على العراق من غير سيف و دم مهراق‌

و لذلك قال بعض السلف رضي اللّه عنهم: يفهم من قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‌ [١] ما فهم من قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى‌ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ‌


[١] سورة طه الآية: ٥