الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢

و حضور القلب من التردد على الجهات، ثم لما كانت الجهات متساوية من حيث إمكان الاستقبال خصص اللّه بقعة مخصوصة بالتشريف و التعظيم و شرفها بالإضافة إلى نفسه و استمال القلوب إليها بتشريفه ليثيب على استقبالها، فكذلك السماء قبلة الدعاء، كما أن البيت قبلة الصلاة، و المعبود بالصلاة و المقصود بالدعاء منزه عن الحلول في البيت و السماء ثم في الاشارة بالدعاء إلى السماء سر لطيف يعزّ من يتنبه لأمثاله، و هو أن نجاة العبد و فوزه في الآخرة، بأن يتواضع للّه تعالى و يعتقد التعظيم لربه. و التواضع و التعظيم عمل القلب، و آلته العقل، و الجوارح إنما استعملت لتطهير القلب و تزكيته، فإن القلب خلق خلقه يتأثر بالمواظبة على أعمال الجوارح، كما خلقت الجوارح متأثرة لمعتقدات القلوب. و لما كان المقصود أن يتواضع في نفسه بعقله و قلبه، بأن يعرف قدره ليعرف بخسة رتبته في الوجود لجلال اللّه تعالى و علوه، و كان من أعظم الأدلة على خسته الموجبة لتواضعه أنه مخلوق من تراب، كلف أن يضع على التراب، الذي هو أذل الأشياء، وجهه الذي هو أعز الأعضاء، ليستشعر قلبه التواضع بفعل الجبهة في مماستها الأرض، فيكون البدن متواضعا في جسمه و شخصه و صورته بالوجه الممكن فيه و هو معانقة التراب الوضيع الخسيس و يكون العقل متواضعا لربه بما يليق به، و هو معرفة الضعة و سقوط الرتبة و خسة المنزلة عند الالتفات إلى ما خلق منه. فكذلك التعظيم للّه تعالى و ضيعة على القلب فيها نجاته، و ذلك أيضا ينبغي أن تشترك فيه الجوارح، و بالقدر الذي يمكنه أن تحمل الجوارح، و تعظيم القلب بالإشارة إلى علو الرتبة على طريق المعرفة و الاعتقاد و تعظيم الجوارح بالإشارة إلى جهة العلو الذي هو أعلى الجهات و أرفعها في الاعتقادات؛ فإن غاية تعظيم الجارحة استعمالها في الجهات، حتى أن من المعتاد المفهوم في المحاورات أن يفصح الإنسان عن علو رتبة غيره و عظيم ولايته فيقول: أمره في السماء السابعة، و هو إنما ينبه على علو الرتبة و لكن يستعير له علو المكان، و قد يشير برأسه إلى السماء في تعظيم من يريد تعظيم أمره، أي أمره في السماء، أي في‌