الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٠

فالجهات ست فوق و أسفل و قدام و خلف و يمين و شمال. فمعنى كون الشي‌ء فوقنا هو أنه في حيز يلي جانب الرأس. و معنى كونه تحتا أنه في حيز يلي جانب الرجل. و كذا سائر الجهات؛ فكل ما قيل فيه أنه في جهة فقد قيل أنه في حيز مع زيادة إضافة.

و قولنا الشي‌ء في حيز، يعقل بوجهين أحدهما: أنه يختص به بحيث يمنع مثله من أن يوجد بحيث هو، و هذا هو الجوهر، و الآخر أن يكون حالا في الجوهر فإنه قد يقال إنه بجهة، و لكن بطريق التبعية للجوهر، فليس كون العرض في جهة ككون الجوهر، بل الجهة للجوهر أولى، و للعرض بطريق التبعية للجوهر، فهذان وجهان معقولان في الاختصاص بالجهة. فإن أراد الخصم أحدهما دل على بطلانه ما دل على بطلان كونه جوهرا أو عرضا.

و إن أراد أمرا غير هذا فهو غير مفهوم فيكون الحق في إطلاق لفظه لم ينفك عن معنى غير مفهوم للغة و الشرع لا العقل، فان قال الخصم إنما أريد بكونه بجهة معنى سوى هذا فلم ننكره، و نقول له: أما لفظك فانما ننكره من حيث أنه يوهم المفهوم الظاهر منه و هو ما يعقل الجوهر و العرض و ذلك كذب على اللّه تعالى. و أما مرادك منه فلست أنكره فإن ما لا أفهمه كيف أنكره! و عساك تريد به علمه و قدرته و أنا لا أنكر كونه بجهة على معنى أنه عالم و قادر، فانك إذا فتحت هذا الباب، و هو أن تريد باللفظ غير ما وضع اللفظ له و يدل عليه في التفاهم لم يكن لما تريد به حصر فلا أنكره ما لم تعرب عن مرادك بما أفهمه من أمر يدل على الحدوث، فإن كان ما يدل على الحدوث فهو في ذاته محال و يدل أيضا على بطلان القول بالجهة، لأن ذلك يطرق الجواز إليه و يحوجه إلى مخصص يخصصه بأحد وجوه الجواز و ذلك من وجهين، أحدهما: أن الجهة التي تختص به لا تختص به لذاته، فإن سائر الجهات متساوية بالإضافة إلى المقابل للجهة، فاختصاصه ببعض الجهات المعينة ليس بواجب لذاته بل هو جائز فيحتاج إلى مخصص يخصصه، و يكون الاختصاص فيه معنى زائدا على ذاته و ما يتطرق الجواز إليه استحال قدمه‌