الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٩
فإن سماه جسما و لم يرد هذا المعنى كانت المضايقة معه بحق اللغة أو بحق الشرع لا بحق العقل فإن العقل لا يحكم في اطلاق الألفاظ و نظم الحروف و الأصوات التي هي اصطلاحات، و لأنه لو كان جسما لكان مقدرا بمقدار مخصوص و يجوز أن يكون أصغر منه أو أكبر، و لا يترجح أحد الجائزين عن الآخر إلّا بمخصص و مرجح، كما سبق، فيفتقر إلى مخصص يتصرف فيه فيقدره بمقدار مخصوص، فيكون مصنوعا لا صانعا و مخلوقا لا خالقا.
(الدعوى السادسة):
ندعي أن صانع العالم ليس بعرض، لأنا نعني بالعرض ما يستدعي وجوده ذاتا تقوم به، و ذلك الذات جسم أو جوهر، و مهما كان الجسم واجب الحدوث كان الحال فيه أيضا حادثا لا محالة، إذ يبطل انتقال الأعراض. و قد بينا أن صانع العالم قديم فلا يمكن أن يكون عرضا، و إن فهم من العرض ما هو صفة لشيء من غير أن يكون ذلك الشيء متحيزا، فنحن لا ننكر وجود هذا فانا نستدل على صفات اللّه تعالى نعم يرجع النزاع إلى إطلاق اسم الصانع و الفاعل، فإن إطلاقه على الذات الموصوفة بالصفات أولى من إطلاقه على الصفات.
فإذا قلنا الصانع ليس بصفة، عنينا به أن الصنع مضاف إلى الذات التي تقوم بها الصفات لا إلى الصفات، كما أنا إذا قلنا النجار ليس بعرض و لا صفة، عنينا به أن صنعة النجارة غير مضافة إلى الصفات بل إلى الذات الواجب و صفها بجملة من الصفات حتى يكون صانعا. فكذا القول في صانع العالم، و إن أراد المنازع بالعرض أمرا غير الحال في الجسم و غير الصفة القائمة بالذات كان الحق في منعه للّغة أو الشرع لا للعقل.
(الدعوى السابعة):
ندعي أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست، و من عرف معنى لفظ الجهة و معنى لفظ الاختصاص فهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر و الأعراض، إذ الحيز معقول و هو الذي يختص الجوهر به، و لكن الحيز إنما يصير جهة إذا أضيف إلى شيء آخر متحيز.