الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨

فيها الحركة و السكون فينقطع شرط وجودها فلا يعقل بقاؤها.

(الدعوى الرابعة):

ندعي أن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه، و لو كان متحيزا لكان لا يخلو عن الحركة في حيزه أو السكون فيه، و ما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث كما سبق.

فإن قيل: بم تنكرون على من يسميه جوهرا، و لا يعتقده متحيزا؟ قلنا العقل عندنا لا يوجب الامتناع من اطلاق الألفاظ و إنما يمنع عنه إما لحق اللغة و إما لحق الشرع. أما حق اللغة فذلك إذا ادعى أنه موافق لوضع اللسان فيبحث عنه، فان ادعى واضعه له أنه اسمه على الحقيقة، أي واضع اللغة وضعه له، فهو كاذب على اللسان و إن زعم أنه استعاره نظرا إلى المعنى الذي به شارك المستعار منه، فإن صلح للاستعارة لم ينكر عليه بحق اللغة و إن لم يصلح قيل له أخطأت على اللغة و لا يستعظم ذلك إلا بقدر استعظام صنيع من يبعد في الاستعارة، و النظر في ذلك لا يليق بمباحث العقول.

و أما حق الشرع و جواز ذلك و تحريمه، فهو بحث فقهي يجب طلبه على الفقهاء إذ لا فرق بين البحث عن جواز اطلاق الألفاظ من غير إرادة معنى فاسد و بين البحث عن جواز الأفعال. و فيه رأيان:

أحدهما، أن يقال: لا يطلق اسم في حق اللّه تعالى إلا بالاذن، و هذا لم يرد فيه إذن فيحرم، و اما أن يقال لا يحرم إلا بالنهي و هذا لم يرد فيه نهي فينظر: فإن كان يوهم خطأ فيجب الاحتراز منه لأن إيهام الخطأ في صفات اللّه تعالى حرام. و إن لم يوهم خطأ يحكم بتحريمه، فكلا الطريقين محتمل.

ثم الايهام يختلف باللغات و عادات الاستعمال فرب لفظ يوهم عند قوم و لا يوهم عند غيرهم.

(الدعوى الخامسة):

ندعي أن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم فهو متألف من جوهرين متحيزين، و إذا استحال أن يكون جوهرا استحال أن يكون جسما، و نحن لا نعني بالجسم إلّا هذا.