الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧

القدرة، فلا يتصف أن يقول الفعل الواقع بالقدرة فعل ذلك الذات فانها أزلية، و إنما فعله نفي وجود الذات، و نفي وجود الذات ليس شيئا، فاذا ما فعل شيئا.

و إذا صدق قولنا ما فعل شيئا صدق قولنا أنه لم يستعمل القدرة في أثر البتة، فبقي كما كان و لم يفعل شيئا.

و باطل أن يقال أنه يعدمه ضده لأن الضد ان فرض حادثا اندفع وجوده بمضادة القديم، و كان ذلك أولى من أن ينقطع به وجود القديم.

و محال أن يكون له ضد قديم كان موجودا معه في القدم و لم يعدمه و قد أعدمه الآن، و باطل أن يقال انعدم لانعدام شرط وجوده، فان الشرط إن كان حادثا استحال أن يكون وجود القديم مشروطا بحادث، و إن كان قديما فالكلام في استحالة عدم الشرط كالكلام في استحالة عدم المشروط فلا يتصور عدمه.

فإن قيل فبما إذا تفنى عندكم الجواهر و الأعراض؟ قلنا: أما الأعراض فبأنفسها، و نعني بقولنا بأنفسها أن ذواتها لا يتصور لها بقاء.

و يفهم المذهب فيه بأن يفرض في الحركة، فان الأكوان المتعاقبة في أحيان متواصلة لا توصف بأنها حركات إلّا بتلاحقها على سبيل دوام التجدد و دوام الانعدام، فانها إن فرض بقاؤها كانت سكونا لا حركة، و لا تعقل ذات الحركة ما لم يعقل معها العدم عقيب الوجود. و هذا يفهم في الحركة بغير برهان.

و أما الألوان و سائر الأعراض، فانما تفهم بما ذكرناه من أنه لو بقي لاستحال عدمه بالقدرة و بالضد كما سبق في القديم، و مثل هذا العدم محال في حق اللّه تعالى فإنا بينا قدمه أولا و استمرار وجوده فيما لم يزل، فلم يكن من ضرورة وجوده حقيقة فناؤه عقيبه. كما كان من ضرورة وجود الحركة حقيقة أن تفنى عقيب الوجود. و أما الجواهر فانعدامها بان لا تخلق‌