الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٦

من الكتاب و عند هذا يعلم وجود الصانع إذ بان القياس الذي ذكرناه، و هو قولنا أن العالم حادث و كل حادث فله سبب فالعالم له سبب.

فقد ثبتت هذه الدعوى بهذا المنهج، و لكن بعد لم يظهر لنا إلّا موجود السبب، فأما كونه حادثا أو قديما وصفا له فلم يظهر بعد فلنشتغل به.

(الدعوى الثانية):

ندعي أن السبب الذي أثبتناه لوجود العالم قديم فإنه لو كان حادثا لافتقر إلى سبب آخر، و كذلك السبب الآخر و يتسلسل إما إلى غير نهاية و هو محال، و إما أن ينتهي إلى قديم لا محالة يقف عنده و هو الذي نطلبه و نسميه صانع العالم. و لا بدّ من الاعتراف به بالضرورة و لا نعني بقولنا قديم إلّا أن وجوده غير مسبوق بعدم، فليس تحت لفظ القديم إلا إثبات موجود و نفي عدم سابق. فلا تظنن أن القدم معنى زائد على ذات القديم، فيلزمك أن تقول ذلك المعنى أيضا قديم بقدم زائد عليه، و يتسلسل القول إلى غير نهاية.

(الدعوى الثالثة):

ندعي أن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل فهو باق لا يزال لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. و إنما قلنا ذلك لأنه لو انعدم لافتقر عدمه إلى سبب فانه طارئ بعد استمرار الوجود في القدم. و قد ذكرنا ان كل طارئ فلا بد له من سبب من حيث انه طارئ لا من حيث أنه موجود. و كما افتقر تبدل العدم بالوجود إلى مرجح للوجود على العدم، فكذلك يفتقر تبدل الوجود بالعدم إلى مرجح للعدم على الوجود. و ذلك المرجح إما فاعل بعدم القدرة، أو ضد انقطاع شرط من شروط الوجود، و محال أن يحال على القدرة؛ إذ لوجود شي‌ء ثابت يجوز أن يصدر عن القدرة، فيكون القادر باستعماله فعل شيئا و العدم ليس بشي‌ء، فيستحيل أن يكون فعلا واقعا بأثر القدرة. فإنا نقول: فاعل العدم هل فعل شيئا؟

فان قيل نعم، كان محالا، لأن النفي ليس بشي‌ء.

و إن قال المعتزلي أن المعدوم شي‌ء و ذات، فليس ذلك الذات من أثر