الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٥
أن أحدهما أقل من الآخر، و محال أن يكون ما لا يتناهى أقل مما لا يتناهى لأن الأقل هو الذي يعوزه شيء لو أضيف إليه لصار متساويا، و ما لا يتناهى كيف يعوزه شيء؟ و بيانه أن زحل عندهم يدور في كل ثلاثين سنة دورة واحدة، و الشمس في كل سنة دورة واحدة، فيكون عدد دورات زحل مثل ثلث عشر دورات الشمس، إذ الشمس تدور في ثلاثين سنة ثلاثين دورة، و زحل يدور دورة واحدة، و الواحد من الثلاثين ثلث عشر.
ثم دورات زحل لا نهاية لها و هي أقل من دورات الشمس، إذ يعلم ضرورة أن ثلث عشر الشيء أقل من الشيء، و القمر يدور في السنة اثنتي عشرة مرة، فيكون عدد دورات الشمس مثلا نصف سدس دورات القمر، و كل واحد لا نهاية له و بعضه أقل من بعض، فذلك من المحال البين، فإن قيل:
مقدورات الباري تعالى عندكم لا نهاية لها و كذا معلوماته، و المعلومات أكثر من المقدورات إذ ذات القديم تعالى و صفاته معلومة له و كذا الموجود المستمر الوجود، و ليس شيء من ذلك مقدورا. قلنا نحن: إذا قلنا لا نهاية لمقدوراته، لم نرد به ما نريد بقولنا لا نهاية لمعلوماته بل نريد به أن للّه تعالى صفة يعبر عنها بالقدرة، يتأتى بها الايجاد، و هذا الثاني لا ينعدم قط.
و ليس تحت قولنا- هذا الثاني لا ينعدم- إثبات أشياء فضلا من أن توصف بأنها متناهية أو غير متناهية، و إنما يقع هذا الغلط لمن ينظر في المعاني من الألفاظ فيرى توازن لفظ المعلومات و المقدورات من حيث التصريف في اللغة، فيظن أن المراد بهما واحد. هيهات لا مناسبة بينهما البتّة، ثم تحت قولنا المعلومات لا نهاية لها أيضا سر يخالف السابق منه إلى الفهم، إذ السابق منه إلى الفهم إثبات أشياء تسمى معلومات لا نهاية لها، و هو محال، بل الأشياء هي الموجودات، و هي متناهية، و لكن بيان ذلك يستدعي تطويلا.
و قد اندفع الإشكال بالكشف عن معنى نفي النهاية عن المقدورات، فالنظر في الطرف الثاني و هو المعلومات مستغنى عنه في دفع الالزام، فقد بانت صحة هذا الأصل بالمنهج الثالث من مناهج الأدلة المذكورة في التمهيد الرابع