الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٣
و السرّ فيه، أن المحل و إن كان لازما للعرض كما أن الحيز لازم للجوهر، و لكن بين اللازمين فرق: إذ رب لازم ذاتي للشيء، و رب لازم ليس بذاتي للشيء، و أعني بالذاتي ما يجب ببطلانه بطلان الشيء، فإن بطل الوجود بطل به وجود الشيء، و إنّ بطل في العقل بطل وجود العلم به في العقل، و الحيز ليس ذاتيا للجوهر فإنا نعلم الجسم و الجوهر أولا ثم ننظر بعد ذلك في الحيز، أ هو أمر ثابت أم هو أمر موهوم و نتوصل إلى تحقيق ذلك بدليل و ندرك الجسم بالحس في المشاهدة من غير دليل. فلذلك لم يكن الحيز المعين مثلا لجسم زيد ذاتيا لزيد، و لم يلزم من فقد ذلك الحيز و تبدله بطلان جسم زيد، و ليس كذلك طول زيد مثلا لأنه عرض في زيد لا نعقله في نفسه دون زيد، بل نعقل زيدا الطويل، فطول زيد يعلم تابعا لوجود زيد و يلزم من تقدير عدم زيد بطلان طول زيد، فليس لطول زيد قوام في الوجود و في العقل دون زيد. فاختصاصه بزيد ذاتي له، أي هو لذاته لا لمعنى زائد عليه هو اختصاص، فإن بطل ذلك الاختصاص بطلت ذاته و الانتقال يبطل الاختصاص فتبطل ذاته، إذ ليس اختصاصه بزيد زائدا على ذاته، أعني ذات العرض، بخلاف اختصاص الجوهر بالحيز فإنه زائد عليه فليس في بطلانه، بالانتقال ما يبطل ذاته، و رجع الكلام إلى أن الانتقال يبطل الاختصاص بالمحل، فإن كان الاختصاص زائدا على الذات لم تبطل به الذات، و إن لم يكن معنى زائدا بطلت ببطلانه الذات، فقد انكشف هذا و آل النظر إلى أن اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيزه، و أما العرض فإنه عقل بالجوهر لا بنفسه فذات العرض و كونه للجوهر المعين و ليس له ذات سواه. فإذا قدرنا مفارقته لذلك الجوهر المعين فقد قدرنا عدم ذاته، و إنما فرضنا الكلام في الطول لتفهيم المقصود فإنه و إن لم يكن عرضا و لكنه، عبارة عن كثرة الأجسام في جهة واحدة، و لكنه مقرب لغرضنا إلى الفهم، فإذا فهم فلننقل البيان إلى الأعراض. و هذا التوفيق و التحقيق و إن لم يكن