الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢١
قد طال الجواب عنه في تصانيف الكلام، و ليس يستحق هذا التطويل فإنه لا يصدر قط من مسترشد إذ لا يستريب عاقل قط في ثبوت الأعراض في ذاته من الآلام و الاسقام و الجوع و العطش و سائر الأحوال، و لا في حدوثها، و كذلك إذا نظرنا الى أجسام العالم لم نسترب في تبدل الأحوال عليها، و إن تلك التبديلات حادثة، و إن صدر من خصم معاند فلا معنى للاشتغال به، و إن فرض فيه خصم معتقد لما نقوله فهو فرض محال إن كان الخصم عاقلا، بل الخصم في حدوث العالم الفلاسفة و هم مصرحون بأن أجسام العالم تنقسم الى السموات، و هي متحركة على الدوام، و آحاد حركاتها حادثة و لكنها دائمة متلاحقة على الاتصال أزلا و أبدا و الى العناصر الأربعة التي يحويها مقعر فلك القمر، و هي مشتركة في مادة حاملة لصورها و أعراضها و تلك المادة قديمة و الصور و الأعراض حادثة متعاقبة عليها أزلا و أبدا و إن الماء ينقلب بالحرارة هواء، و الهواء يستحيل بالحرارة نارا، و هكذا بقية العناصر، و إنها تمتزج امتزاجات حادثة فتتكون منهما المعادن و النبات و الحيوان، فلا تنفك العناصر عن هذه الصور الحادثة و لا تنفك السموات عن الحركات الحادثة أبدا، و إنما ينازعون في قولنا أن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فلا معنى للإطناب في هذا الأصل، و لكنا لإقامة الرسم نقول:
الجوهر بالضرورة لا يخلو عن الحركة و السكون، و هما حادثان، أما الحركة فحدوثها محسوس و إن فرض جوهر ساكن كالأرض، ففرض حركته ليس بمحال بل نعلم جوازه بالضرورة، و إذا وقع ذلك الجائز كان حادثا و كان معدما للسكون، فيكون السكون أيضا قبله حادثا لأن القديم لا ينعدم كما سنذكره في إقامة الدليل على بقاء اللّه تعالى، و إن أردنا سياق دليل على وجود الحركة زائدة على الجسم، قلنا: إنا إذا قلنا هذا الجوهر متحرك أثبتنا شيئا سوى الجوهر بدليل أنا إذا قلنا هذا الجوهر ليس بمتحرك، صدق قولنا و إن كان الجوهر باقيا ساكنا، فلو كان المفهوم من الحركة عين الجوهر