الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧
الخامس: السمعيات، مثاله انا ندعي مثلا ان المعاصي بمشيئة اللّه تعالى، و نقول كل كائن فهو بمشيئة اللّه تعالى و المعاصي كائنة فهي إذا بمشيئة اللّه تعالى؛ فأما قولنا هي كائنة فمعلوم وجودها بالحس، و كونها معصية بالشرع، و اما قولنا كل كائن بمشيئة اللّه تعالى فاذا انكر الخصم ذلك منعه الشرع مهما كان مقرا بالشرع أو كان قد اثبت عليه بالدليل فإنّا نثبت هذا الاصل بإجماع الأمة على صدق قول القائل ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن فيكون السمع مانعا من الانكار.
السادس: أن يكون الاصل مأخوذا من معتقدات الخصم و مسلماته.
فإنه و إن لم يقم لنا عليه دليل او لم يكن حسيا و لا عقليا، انتفعنا باتخاذه إياه أصلا في قياسنا و امتنع عليه الإنكار الهادم لمذهبه. و امثلة هذا مما تكثر فلا حاجة الى تعيينه. فإن قلت: فهل من فرق بين هذه المدارك في الانتفاع بها في المقاييس النظرية؟ فاعلم أنها متفاوتة في عموم الفائدة، فإن المدارك العقلية و الحسية عامة مع كافة الخلق إلّا من لا عقل له و لا حس له و كان الأصل معلوما فالحس الذي فقده كالأصل المعلوم بحاسة البصر إذا استعمل مع الأكمه فإنه لا ينفع، و الاكمه اذا كان هو الناظر لم يمكنه أن يتخذ ذلك اصلا، و كذلك المسموع في حق الاصم. و أما المتواتر فإنه نافع و لكن في حق من تواتر إليه، فاما من لم يتواتر إليه ممن وصل إلينا في الحال من مكان بعيد لم تبلغه الدعوة فأردنا أن نبين له بالتواتر أن نبينا و سيدنا محمدا صلى اللّه عليه و سلم تسليما و على آله و صحبه تحدى بالقرآن، لم يقدر عليه ما لم يمهله مدة من يتواتر عنده، و رب شيء يتواتر عند قوم دون قوم، فقول الشافعي رحمه اللّه تعالى في مسألة قتل المسلم بالذمي متواتر عند الفقهاء من أصحابه دون العوام من المقلدين و كم من مذهب له في أحاد المسائل لم يتواتر عند اكثر الفقهاء و أما الأصل المستفاد من قياس آخر فلا ينفع الا مع من قدر معه ذلك القياس.