الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧
الرتبة الثالثة:
الذين يصدقون بالصانع و النبوة و يصدقون النبي، و لكن يعتقدون أمورا تخالف نصوص الشرع و لكن يقولون أن النبي محق، و ما قصد بما ذكره إلا صلاح الخلق و لكن لم يقدر على التصريح بالحق لكلال أفهام الخلق عن دركه، و هؤلاء هم الفلاسفة، و يجب القطع بتكفيرهم في ثلاثة مسائل و هي: إنكارهم لحشر الأجساد و التعذيب بالنار، و التنعيم في الجنة بالحور بالعين و المأكول و المشروب و الملبوس، و الأخرى: قولهم إن اللّه لا يعلم الجزئيات و تفصيل الحوادث و إنما يعلم الكليات، و إنما الجزئيات تعلمها الملائكة السماوية.
و الثالثة: قولهم إن العالم قديم و إن اللّه تعالى متقدم على العالم بالرتبة مثل تقدم العلة على المعلول، و إلا فلم تر في الوجود إلا متساويين، و هؤلاء إذا أوردوا عليهم آيات القرآن زعموا أن اللذات العقلية تقصر الأفهام عن دركها، فمثل لهم ذلك باللذات الحسية و هذا كفر صريح، و القول به إبطال لفائدة الشرائع و سد لباب الاهتداء بنور القرآن و استبعاد للرشد من قول الرسل، فإنه إذا جاز عليهم الكذب لأجل المصالح بطلت الثقة بأقوالهم فما من قول يصدر عنهم إلا و يتصور أن يكون كذبا، و إنما قالوا ذلك لمصلحة. فإن قيل: فلم قلتم مع ذلك بأنهم كفرة؟ قلنا لأنه عرف قطعا من الشرع أن من كذب رسول اللّه فهو كافر و هؤلاء مكذبون ثم معللون للكذب بمعاذير فاسدة و ذلك لا يخرج الكلام عن كونه كذبا.
الرتبة الرابعة:
المعتزلة و المشبهة و الفرق كلها سوى الفلاسفة، و هم الذين يصدقون و لا يجوزون الكذب لمصلحة و غير مصلحة، و لا يشتغلون بالتعليل لمصلحة الكذب بل بالتأويل و لكنهم مخطئون في التأويل، فهؤلاء أمرهم في محل الاجتهاد، و الذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء و الأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه خطأ، و الخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم، و قد قال صلى اللّه عليه و سلم: (أمرت