الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١

الباطنية، فإن قيل فإن تسامحتم بخصلة العلم لزمكم التسامح بخصلة العدالة و غير ذلك من الخصال، قلنا: ليست هذه مسامحة عن الاختيار و لكن الضرورات تبيح المحظورات، فنحن نعلم أن تناول الميتة محظور و لكن الموت أشد منه، فليت شعري من لا يساعد على هذا و يقضي ببطلان الإمامة في عصرنا لفوات شروطها و هو عاجز عن الاستبدال بالمتصدي لها بل هو فاقد للمتصف بشروطها، فأيّ أحواله أحسن: أن يقول القضاة معزولون و الولايات باطلة و الأنكحة غير متعقدة و جميع تصرفات الولاة في أقطار العالم غير نافذة، و إنما الخلق كلهم مقدمون على الحرام، أو أن يقول الإمامة منعقدة و التصرفات و الولايات نافذة بحكم الحال و الاضطرار، فهو بين ثلاثة أمور إما أن يمنع الناس من الأنكحة و التصرفات المنوطة بالقضاة و هو مستحيل و مؤدي إلى تعطيل المعايش كلها و يفضي إلى تشتيت الآراء و مهلك للجماهير و الدهماء أو يقول إنهم يقدمون على الأنكحة و التصرفات و لكنهم مقدمون على الحرام، إلا أنه لا يحكم بفسقهم و معصيتهم لضرورة الحال، و إما أن نقول يحكم بانعقاد الإمامة مع فوات شروطها لضرورة الحال و معلوم أن البعيد مع الأبعد قريب، و أهون الشرين خير بالإضافة، و يجب على العاقل اختياره، فهذا تحقيق هذا الفصل و فيه غنية عند البصير عن التطويل و لكن من لم يفهم حقيقة الشي‌ء و علته و إنما يثبت بطول الألفة في سمعه فلا تزال النفرة عن نقيضه في طبعه إذ فطام الضعفاء عن المألوف شديد عجز عنه الأنبياء فكيف غيرهم.

فإن قيل: فهلا قلتم إن التنصيص واجب من النبي و الخليفة كي يقطع ذلك دابر الاختلاف كما قالت بعض الإمامية إذ ادعوا أنه واجب، قلنا: لأنه لو كان واجبا لنص عليه الرسول عليه السلام، و لم ينص هو و لم ينص عمر أيضا بل ثبتت إمامة أبو بكر و إمامة عثمان و إمامة علي رضي اللّه عنهم بالتفويض، فلا تلتفت إلى تجاهل من يدعي أنه صلى اللّه عليه و سلم نص على علي لقطع النزاع و لكن الصحابة كابروا النص و كتموه، فأمثال ذلك يعارض بمثله و يقال: بم تنكرون على من قال إنه نص على أبي بكر فأجمع الصحابة على موافقته النص الاقتصاد في الاعتقاد (١٥)