الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٠

من رجل ذي شوكة يقتضي انقياده و تفويضه متابعة الآخرين و مبادرتهم إلى المبايعة، و ذلك قد يسلم في بعض الأعصار لشخص واحد مرموق في نفسه مرزوق بالمتابعة مسئول على الكافة، ففي بيعته و تفويضه كفاية عن تفويض غيره لأن المقصود أن يجتمع شتاب الآراء لشخص مطاع و قد صار الإمام بمبايعة هذا المطاع مطاعا، و قد لا يتفق ذلك لشخص واحد بل لشخصين أو ثلاثة أو جماعة فلا بد من اجتماعهم و بيعتهم و اتفاقهم على التفويض حتى تتم الطاعة، بل أقول: لو لم يكن بعد وفاة الإمام إلا قرشي واحد مطاع متبع فنهض بالإمامة و تولاها بنفسه و نشأ بشوكته و تشاغل بها و استتبع كافة الخلق بشوكته و كفايته و كان موصوفا بصفات الأئمة فقد انعقدت إمامته و وجبت طاعته، فانه تعين بحكم شوكته و كفايته، و في منازعته إثارة الفتن إلا أن من هذا حاله فلا يعجز أيضا عن أخذ البيعة من أكابر الزمان و أهل الحل و العقد، و ذلك أبعد من الشبهة فلذلك لا يتفق مثل هذا في العادة إلا عن بيعة و تفويض. فإن قيل: فان كان المقصود حصول ذي رأي مطاع يجمع شتاب الآراء و يمنع الخلق من المحاربة و القتال و يحملهم على مصالح المعاش و المعاد، فلو انتهض لهذا الامر من فيه الشروط كلها سوى شروط القضاء و لكنه مع ذلك يراجع العلماء و يعمل بقولهم فما ذا ترون فيه، أ يجب خلعه و مخالفته أم تجب طاعته؟ قلنا: الذي نراه و نقطع أنه يجب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه من هو موصوف بجميع الشروط من غير إثارة فتنة و تهييج قتال، و إن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال وجبت طاعته و حكم بإمامته لأن ما يفوتنا من المصارفة بين كونه عالما بنفسه أو مستفتيا من غيره دون ما يفوتنا بتقليد غيره إذا افتقرنا إلى تهييج فتنة لا ندري عاقبتها. و ربما يؤدي ذلك إلى هلاك النفوس و الأموال، و زيادة صفة العلم إنما تراعى مزية و تتمة للمصالح فلا يجوز أن يعطل أصل المصالح في التشوق إلى مزاياها و تكملاتها. و هذه مسائل فقهية فيلوّن المستعبد لمخالفته المشهود على نفسه استبعاده و لينزل من غلوائه فالأمر أهون مما يظنه، و قد استقضينا تحقيق هذا المعنى في الكتاب الملقب بالمستظهري المصنف في الرد على‌