الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٥
حسبة باردة شنيعة لا يصير إليها عاقل؛ و كذلك قوله إن الواجب علي شيئان العمل و الأمر للغير، و أنا أتعاطى أحدهما و إن تركت الثاني كقوله: إن الواجب علي الوضوء دون الصلاة و أنا أصلي و إن تركت الوضوء، و المسنون في حقي الصوم و التسحر و أنا أتسحر و إن تركت الصوم، و ذلك محال، لأن السحور للصوم و الوضوء للصلاة، و كل واحد شرط الآخر و هو متقدم في الرتبة على المشروط، فكذلك نفس المرء مقدمة على غيره، فليهذب نفسه أولا ثم غيره أما إذا أهمل نفسه و اشتغل بغيره كان ذلك عكس الترتيب الواجب، بخلاف ما إذا هذب نفسه و ترك الحسبة و تهذيب غيره، فإن ذلك معصية و لكنه لا تناقض فيه. و كذلك الكافر ليس له ولاية الدعوة إلى الاسلام ما لم يسلم هو بنفسه، فلو قال الواجب عليّ شيئان ولي أن أترك أحدهما دون الثاني لم يكن منه، و الجواب أن حسبة الزاني بالمرأة عليها و منعها من كشفها وجهها جائزة عندنا، و قولكم إن هذه حسبة باردة شنيعة فليس الكلام في أنها حارة أو باردة مستلذة أو مستبشعة، بل الكلام في أنها حق أو باطل و كم من حق مستبرد مستثقل و كم من باطل مستحلى مستعذب، فالحق غير اللذيذ و الباطل غير الشنيع، و البرهان القاطع فيه هو أنا نقول: قوله لها لا تكشفي وجهك فإنه حرام، و منعه إياها بالعمل قول و فعل، و هذا القول و الفعل إما أن يقال هو حرام أو يقال واجب أو يقال هو مباح، فإن قلتم إنه واجب فهو المقصود، و إن قلتم إنه مباح فله أن يفعل ما هو مباح، و إن قلتم إنه حرام فما مستند تحريمه؟ و قد كان هذا واجبا قبل اشتغاله بالزنى فمن أين يصير الواجب حراما باقتحامه محرما، و ليس في قوله الأخير صدق عن الشرع بأنه حرام، و ليس في فعله إلا المنع من اتحاد ما هو حرام، و القول بتحريم واحد منهما محال. و لسنا نعني بقولنا للفاسق ولاية الحسبة إلا أن قوله حق و فعله ليس بحرام، و ليس هذا كالصلاة و الوضوء فإن الصلاة هي المأمور بها و شرطها الوضوء، فهي بغير وضوء معصية و ليست بصلاة، بل تخرج عن كونها صلاة و هذا القول لم يخرج عن كونه حقا و لا الفعل