الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤١
من الفطرة و زعم أن كل مزاج فله رتبة معلومة في القوة إذا خليت و نفسها تمادت الى منتها مدتها، و لو فسدت على سبيل الاحترام كان ذلك استعجالا، بالإضافة إلى مقتضى طباعها، و الأجل عبارة عن المدة الطبيعية، كما يقال الحائط مثلا يبقى مائة سنة بقدر إحكام بنائه، و يمكن أن يهدم بالفأس في الحال، و الأجل يعبر به عن مدته التي له بذاته و قوته، فيلزم من ذلك أن يقال إذا هدم بالفأس لم ينهدم بأجله و إن لم يتعرض له من خارج حتى انحطت أجزاؤه فيقال انهدم بأجله، فهذا اللفظ ينبئ على ذلك الأصل.
المسألة الثانية و هي اللفظية: فكاختلافهم في أن الايمان هل يزيد و ينقص أم هو على رتبة واحدة، و هذا الاختلاف منشؤه الجهل بكون الاسم مشتركا، أعني اسم الايمان، و إذا فصل مسميات هذا اللفظ ارتفع الخلاف، و هو مشترك بين ثلاثة معان: إذ قد يعبر به عن التصديق اليقين البرهاني، و قد يعبر به عن الاعتقاد التقليدي إذا كان جزما، و قد يعبر به عن تصديق معه العمل بموجب التصديق و دليل اطلاقه على الأول أن من عرف اللّه تعالى بالدليل و مات عقيب معرفته فإنا نحكم بأنه مات مؤمنا، و دليل اطلاقه على التصديق التقليدي أن جماهير العرب كانوا يصدقون رسول اللّه تعالى صلى اللّه عليه و سلم بمجرد إحسانه إليهم و تلطفه بهم و نظرهم في قوانين أحواله من غير نظر في أدلة الواحدانية و وجه دلالة المعجزة، و كان يحكم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بإيمانهم و قد قال تعالى وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [١] أي بمصدق، و لم يفرق بين تصديق و تصديق، و دليل إطلاقه على الفعل، قوله عليه السلام: (لا يزني الزاني و هو مؤمن حين يزني) [٢] و قوله عليه السلام: (الايمان بضعة و سبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق) [٣] فنرجع إلى المقصود و نقول: إن أطلق الإيمان بمعنى التصديق
[١] سورة يوسف الآية: ١٧.
[٢] متفق عليه و لفظ البخاري: «لا يزني الزاني حين يزني
و هو مؤمن».
[٣] رواه مسلم بلفظ: «الايمان بضع و سبعون او بضع و ستون
شعبة،