الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٠
عدم المعلول إن لم يكن للمعلول إلا علة واحدة، و إن تصور أن تكون له علة أخرى فيلزم من تقدير نفي كل العلل نفي المعلول، و لا يلزم من تقدير نفي علة بعينها نفي المعلول مطلقا، بل يلزم نفي معلول تلك العلة على الخصوص، فإذا تمهد هذا المعنى رجعنا إلى القتل و الموت؛ فالقتل عبارة عن حز الرقبة و هو راجع إلى أعراض هي حركات في يد الضارب و السيف و أعراض هي افتراقات في أجزاء رقبة المضروب، و قد اقترن بها عرض آخر و هو الموت، فإن لم يكن بين الحز و الموت ارتباط لم يلزم من تقدير نفي الحز نفي الموت فإنهما شيئان مخلوقان معا على الاقتران بحكم إجراء العادة لا ارتباط لأحدهما بآخر، فهو كالمقترنين اللذين لم تجر العادة باقترانهما و إن كان الحز علّة الموت و مولده، و إن لم تكن علة سواه لزم من انتفائه انتفاء الموت، و لكن لا خلاف في أن للموت عللا من أمراض و أسباب باطنة سوى الحز عند القائلين بالعلل، فلا يلزم من نفي الحز نفي الموت مطلقا ما لم يقدر مع ذلك انتفاء سائر العلل، فنرجع إلى غرضنا فنقول:
من اعتقد من أهل السنة أن اللّه مستبد بالاختراع بلا تولد، و لا يكون مخلوق علة مخلوق، فنقول: الموت أمر استبد الرب تعالى باختراعه مع الحز، فلا يجب من تقدير عدم الحز عدم الموت و هو الحق؛ و من اعتقد كونه علة و انضاف إليه مشاهدته صحة الجسم و عدم مهلك من خارج اعتقد أنه لو انتفى الحز و ليس ثم علة أخرى وجب انتفاء المعلول لانتفاء جميع العلل، و هذا الاعتقاد صحيح لو صح اعتقاد التعليل و حصر العلل فيما عرف انتفاؤه فإذا هذه المسألة يطول النزاع فيها، و لم يشعر أكثر الخائضين فيها بمثارها فينبغي أن نطلب هذا من القانون الذي ذكرناه في عموم قدرة اللّه تعالى و إبطال التولد، و يبنى على هذا أن من قتل ينبغي أن يقال إنه مات بأجله لأن الأجل عبارة عن الوقت الذي خلق اللّه تعالى فيه موته سواء كان معه حز رقبة أو كسوف قمر أو نزول مطر أو لم يكن، لأن كل هذه عندنا مقترنات و ليست مؤثرات و لكن اقتران بعضها يتكرر بالعادة، و بعضها لا يتكرر، فأما من جعل الموت سببا طبيعيا