الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٨
وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [١] فإن قيل: كيف يمكن ذلك و فيما روى أدق من الشعر و أحدّ من السيف، فكيف يمكن المرور عليه؟ قلنا هذا إن صدر ممن ينكر قدرة اللّه تعالى، فالكلام معه في إثبات عموم قدرته و قد فرغنا عنها، و إن صدر من معترف بالقدرة فليس المشي على هذا بأعجب من المشي في الهواء، و الرب تعالى قادر على خلق قدرة عليه، و معناه أن يخلق له قدرة المشي على الهواء و لا يخلق في ذاته هويا إلى أسفل، و لا في الهواء انحراف، فإذا أمكن هذا في الهواء فالصراط أثبت من الهواء بكل حال.
الفصل الثاني: في الاعتذار عن الاخلال بفصول شحنت بها المعتقدات
فرأيت الإعراض عن ذكرها أولى لأن المعتقدات المختصرة حقها أن لا تشتمل إلا على المهم الذي لا بد منه في صحة الاعتقاد.
أما الأمور التي لا حاجة إلى إخطارها بالبال، و إن خطرت بالبال فلا معصية في عدم معرفتها و عدم العلم بأحكامها، فالخوض فيها بحث عن حقائق الأمور و هي غير لائقة بما يراد منه تهذيب الاعتقاد، و ذلك الفن تحصره ثلاثة فنون: عقلي، و لفظي، و فقهي، أما العقلي، فالبحث عن القدرة الحادثة أنها تتعلق بالضدين أم لا، و تتعلق بالمختلفات أم لا، و هل يجوز قدرة حادثة تتعلق بفعل مباين لمحل القدرة و أمثال له، و أما اللفظي فكالبحث عن المسمى باسم الرزق ما هو، و لفظ التوفيق و الخذلان و الايمان ما حدودها و مسبباتها، و أما الفقهي فكالبحث عن الأمر بالمعروف متى يجب، و عن التوبة ما حكمها، إلى نظائر ذلك، و كل ذلك ليس بمهم في الدين، بل المهم أن ينفي الانسان الشك عن نفسه في ذات اللّه تعالى، على القدر الذي
[١] سورة الصافات الآية: ٢٤.