الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٥

أعراض تماثل الأول حصل تصديق الشرع و وقع الخلاص عن إشكال الإعادة و تمييز المعاد عن المثل، و قد أطنبنا في هذه المسألة في كتاب التهافت، و سلكنا في إبطال مذهبهم تقرير بقاء النفس التي هي غير متحيز عندهم و تقدير عود تدبيرها إلى البدن سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الانسان أو غيره، و ذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده؛ فإن ذلك الكتاب مصنف لابطال مذهبهم لا لاثبات المذهب الحق، و لكنهم لما قدروا أن الانسان هو ما هو باعتبار نفسه و أن اشتغاله بتدبير كالعارض له و البدن آلة لهم، ألزمناهم بعد اعتقادهم بقاء النفس وجوب التصديق بالاعادة و ذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن من الأبدان، و النظر الآن في تحقيق هذا الفصل ينجر إلى البحث عن الروح و النفس و الحياة و حقائقها، و لا تحتمل المعتقدات التغلغل إلى هذه الغايات في المعقولات. فما ذكرناه كاف في بيان الاقتصاد في الاعتقاد للتصديق بما جاء به الشرع، و أما عذاب القبر فقد دلت عليه قواطع الشرع إذ تواتر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و عن الصحابة رضي اللّه عنهم بالاستعاذة منه في الأدعية [١] و اشتهر قوله عند المرور بقبرين:

إنهما ليعذبان [٢] و دل عليه قوله تعالى وَ حاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا [٣] الآية، و هو ممكن، فيجب التصديق به.

و وجه إمكانه ظاهر، و إنما تنكره المعتزلة من حيث يقولون إنا نرى شخص الميت مشاهدة و هو غير معذب و إن الميت ربما تفترسه السباع و تأكله، و هذا هوس؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم و المدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان و ليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه‌


[١] انظر كتاب الجنائز في صحيح البخاري و ما يحتوي من احاديث تثبت عذاب القبر، و جميع هذه الاحاديث صحيحة.
[٢] اخرجه البخاري.
[٣] سورة غافر الآيات: (٤٥- ٤٦). و حاق: احاط.