الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٣
التصديق باللسان و القلب عمل يبنى على الأدلة الظنية كسائر الأعمال فنحن نعلم قطعا إنكار الصحابة على من يدعي كون العبد خالقا لشيء من الأشياء و عرض من الاعراض، و كانوا ينكرون ذلك بمجرد قوله تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [١] و معلوم أنه عام قابل للتخصيص فلا يكون عمومه إلا مظنونا، إنما صارت المسألة قطعية بالبحث على الطرق العقلية التى ذكرناها، و نعلم أنهم كانوا ينكرون ذلك قبل البحث عن الطرق العقلية و لا ينبغي أن يعتقد بهم أنهم لم يلتفتوا إلى المدارك الظنية إلا في الفقهيات بل اعتبروها أيضا في التصديقات الاعتقادية و القولية.
و أما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به و لا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول، و ظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة، و الصحيح منها ليس بقاطع بل هو قابل للتأويل.
فإن توقف العقل في شيء من ذلك فلم يقض فيه باستحالة و لا جواز وجب التصديق أيضا لأدلة السمع فيكفي في وجوب التصديق انفكاك العقل عن القضاء بالإحالة، و ليس يشترط اشتماله على القضاء لتجويز، و بين الرتبتين فرق ربما يزل ذهن البليد حتى لا يدرك الفرق بين قول القائل: اعلم أن الأمر جائز، و بين قوله: لا أدري إنه محال أم جائز، و بينهما ما بين السماء و الأرض، إذ الأول جائز على اللّه تعالى و الثاني غير جائز، فإن الأول معرفة بالجواز و الثاني عدم معرفة بالاحالة، و وجوب التصديق جائز في القسمين جميعا فهذه هي المقدمة.
أما الفصل الأول: ففي بيان قضاء العقل بما جاء الشرع به من الحشر و النشر و عذاب القبر و الصراط و الميزان،
أما الحشر فيعنى به إعادة الخلق و قد دلت عليه القواطع
[١] سورة الانعام الآية: ١٠٢.