الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٢
الباب الثاني (في بيان وجوب التصديق بأمور ورد بها الشرع و قضى بجوازها العقل) و فيه مقدمة و فصلان،
أما المقدمة:
فهو أن ما لا يعلم بالضرورة ينقسم إلى ما يعلم بدليل العقل دون الشرع، و إلى ما يعلم بالشرع دون العقل، و إلى ما يعلم بهما.
أما المعلوم بدليل العقل دون الشرع فهو حدث العالم و وجود المحدث و قدرته و علمه و ارادته، فان كل ذلك ما لم يثبت لم يثبت الشرع، إذ الشرع يبنى على الكلام فإن لم يثبت كلام النفس لم يثبت الشرع.
فكل ما يتقدم في الرتبة على كلام النفس يستحيل إثباته بكلام النفس و ما يستند إليه و نفس الكلام أيضا فيما اخترناه لا يمكن اثباته بالشرع، و من المحققين من تكلف ذلك و ادّعاه كما سبقت الاشارة إليه.
و أما المعلوم بمجرد السمع فتخصيص أحد الجائزين بالوقوع فإن ذلك من موافق العقول، و إنما يعرف من اللّه تعالى بوحي و إلهام و نحن نعلم من الوحي إليه بسماع كالحشر و النشر و الثواب و العقاب و أمثالهما، و أما المعلوم بهما فكل ما هو واقع في مجال العقل و متأخر في الرتبة عن إثبات كلام اللّه تعالى كمسألة الرؤية و انفراد اللّه تعالى بخلق الحركات و الأغراض كلها و ما يجري هذا المجرى، ثم كلما ورد السمع به ينظر، فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به قطعا إن كانت الأدلة السمعية قاطعة في متنها و مستندها لا يتطرق إليها احتمال، وجب التصديق بها ظنا إن كانت ظنية، فإن وجوب