الاقتصاد في الاعتقاد - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٠
العجيب و المنهاج الخارج عن مناهج كلام العرب في خطبهم و أشعارهم و سائر صنوف كلامهم، و الجمع بين هذا النظم و هذه الجزالة معجز خارج عن مقدور البشر، نعم ربما يرى للعرب أشعار و خطب حكم فيها بالجزالة، و ربما ينقل عن بعض من قصد المعارضة مراعاة هذا النظم بعد تعلمه من القرآن، و لكن من غير جزالة بل مع ركاكة كما يحكى عن ترهات مسيلمة الكذاب حيث قال: الفيل و ما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل و خرطوم طويل.
فهذا و أمثاله ربما يقدر عليه مع ركاكة يستغثها الفصحاء و يستهزءون بها، و أما جزالة القرآن فقد قضى كافة العرب منها العجب و لم ينقل عن واحد منهم تشبث بطعن في فصاحته، فهذا إذا معجز و خارج عن مقدور البشر من هذين الوجهين، أعني من اجتماع هذين الوجهين، فإن قيل: لعل العرب اشتغلت بالمحاربة و القتال فلم تعرج على معارضة القرآن و لو قصدت لقدرت عليه، أو منعتها العوائق عن الاشتغال به، و الجواب أن ما ذكروه هوس، فإن دفع تحدي المتحدي بنظم كلام أهون من الدفع بالسيف مع ما جرى على العرب من المسلمين بالأسر و القتل و السبي و شن الغارات، ثم ما ذكروه غير دافع غرضنا، فإن انصرافهم عن المعارضة لم يكن إلا بصرف من اللّه تعالى، و الصرف عن المقدور المعتاد من أعظم المعجزات، فلو قال نبيّ آية صدقي أني في هذا اليوم أحرك إصبعي و لا يقدر أحد من البشر على معارضتي، فلم يعارضه أحد في ذلك اليوم، ثبت صدقه، و كان فقد قدرتهم على الحركة مع سلامة الأعضاء من أعظم المعجزات، و إن فرض وجود القدرة ففقد داعيتهم و صرفهم عن المعارضة من أعظم المعجزات، مهما كانت حاجتهم ماسة إلى الدفع باستيلاء النبيّ على رقابهم و أموالهم، و ذلك كله معلوم على الضرورة، فهذا طريق تقدير نبوته على النصارى، و مهما تشبثوا بانكار شيء من هذه الأمور الجليلة فلا تشتغل الا بمعارضتهم بمثله في معجزات عيسى عليه السلام.